ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة ، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ؛ يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة ، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها ، وينفض عنها الركام ، لجدته عليها ، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة . فأما القلوب التي نوديت من قبل ، فالنداء الثاني لا تكون له جدته . ولا تكون له هزته ؛ ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته ؛ ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف ، وإلى الصبر الطويل ! » . .
« . . . إلخ وقد وردت حلقات من قصة موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من قبل في هذه الظلال - المرتبة وفق ترتيب السور في المصحف لا وفق ترتيب النزول - في سورة البقرة ، وسورة آل عمران ، وسورة النساء ، وسورة المائدة ، وسورة الأنعام . . ولكن إذا اعتبرنا ترتيب النزول ، فإن هذه الحلقات الواردة منها هنا في سورة الأعراف المكية تكون سابقة على ما ورد منها في السور المدنية . وذلك ظاهر من طبيعة عرضها هنا وطبيعة عرضها هناك . فهي هنا تعرض على طريقة الحكاية والقصص . وهناك تعرض على سبيل مواجهة بني إسرائيل بها ، وتذكيرهم بأحداثها ووقائعها ومواقفهم فيها .
ولقد وردت القصة في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن كله - مكية ومدنيه - ولكن ورودها مفصلة اقتصر على عشرة مواضع في عشر سور منها ستة مواضع هي أكثرها تفصيلا . والذي ورد منها في سورة الأعراف كان أول تفصيل . . كما أنه هو أوسع مساحة . وإن تكن الحلقات التي وردت في هذه المساحة أقل مما ورد منها في سورة طه « 1 » .
وهي تبدأ هنا من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة . بينما تبدأ في سورة طه من حلقة النداء لموسى - عليه السلام - في جانب الطور . وتبدأ في سورة القصص من حلقة مولد موسى في فترة اضطهاد بني إسرائيل . .
ويبدأ عرضها - متناسقا مع جو السورة وأهدافها على طريقة القرآن في سياقة القصص كله « 2 » - بالتوجيه إلى عاقبة تكذيب فرعون وملئه . وذلك منذ اللحظة الأولى في عرضها :
« ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ، فَظَلَمُوا بِها . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ »
.
ثم تمضي حلقات القصة ومشاهدها . . أولا . . في مواجهة فرعون وملئه . . وأخيرا في مواجهة بني إسرائيل ، والتوائهم وزيغهم وانحرافهم ! ولما كان سنستعرض القصة - فيما بعد - بالتفصيل . فإننا نكتفي هنا بالوقوف أمام معالمها البارزة وموحياتها الكلية :
* إن موسى - عليه السلام - يواجه فرعون وملأه بأنه رسول من رب العالمين :
« وَقالَ مُوسى : يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
. . كذلك حين تقع المباراة بينه وبين سحرة فرعون فيغلبون ويؤمنون ، فإنهم يؤمنون برب العالمين :
« وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ . قالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ »
. . وحين يهددهم فرعون بالعذاب الرعيب : فإنهم يتجهون إلى ربهم ، ويعلنون أنهم عائدون اليه في حياتهم ومماتهم وبعثهم وفي أمرهم كله :
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « القصة في القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .
( 2 ) يراجع المصدر السابق .