تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1328

مساهمون:

ص١٣٢٨
مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »
« أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
. . وينتهي هذا التعقيب بلفتة إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن هذا القصص ؛ وتلخيص لأمر الأقوام التي كذبت من قبل ؛ ووصف لحقيقة حالهم ونسيانهم لعهد اللّه معهم على الاعتراف بألوهيته ووحدانيته ؛ وعدم جدوى الآيات والبينات والخوارق التي جاءهم بها رسلهم ، بسبب تعطل فطرتهم وغفلة قلوبهم :
« تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ . كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ . وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
. . وبعد هذه الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب . . تجيء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه أولا ؛ ثم مع قومه بني إسرائيل أخيرا . . وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها . . وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل في مواضع كثيرة ؛ وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى . . وكانت أكثر القصص ورودا في القرآن كله . . ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل - في هذه الظلال - في الجزء السادس في صفحتي 868 - 869 على النحو التالي : « من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا . وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة . وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ؛ كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة . وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة . . فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة ، لتعرف من هم أعداؤها : ما طبيعتهم ؟ وما تاريخهم ؟ وما وسائلهم ؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ؟ « ولقد علم اللّه أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ؛ كما كانوا أعداء هدى اللّه في ماضيهم كله . فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ؛ ووسائلهم كلها مكشوفة . « ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين اللّه الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة ؛ ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ، ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق اللّه معهم ؛ ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف ، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . . فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم ، وتقلبات هذا التاريخ ؛ وتعرف مزالق الطريق وعواقبها ، ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم ، لتضم هذه التجربة - في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ؛ وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق ، ومداخل الشيطان ، وبوادر الانحراف ، على هدى التجارب الأولى . « ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل . وقد علم اللّه أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها ، وتنحرف أجيال منها ؛ وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ، ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل ؛ فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها