تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1327

مساهمون:

ص١٣٢٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
هذا الجزء - التاسع - يتألف من شطرين : الشطر الأول هو بقية « سورة الأعراف » - من القرآن المكي - وهو يؤلف ثلاثة أرباع هذا الجزء . . والشطر الثاني هو نصف الحزب الأول من سورة الأنفال - من القرآن المدني - وهو يؤلف الربع الباقي من الجزء . . وسنكتفي هنا بالعرض الإجمالي للشطر الأول . ونرجئ الشطر الثاني إلى موضعه . حيث نقدم - إن شاء اللّه - سورة الأنفال ؛ وفق المنهج الذي اتبعناه في التعريف بسور القرآن . . مضى في الجزء الثامن - في الشطر الذي استعرضناه هناك من سورة الأعراف - قصص الرسل والرسالات والأقوام بعد آدم عليه السلام . وعرضنا من موكب الإيمان هناك قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - - ومصارع المكذبين من أقوامهم ونجاة المؤمنين . فالآن يبدأ هذا الجزء بتكملة لقصة شعيب - عليه السلام - وقد اخترنا أن نضمها إلى نهاية الجزء الثامن تكملة للقصة هناك . . ثم يقف سياق السورة وقفة للتعقيب على ذلك القصص - وفق منهج السورة - فيكشف في هذا التعقيب عن خطوات قدر اللّه بالمكذبين . . كيف يأخذهم بالبأساء والضراء لعل قلوبهم تصحو وترق ، وتلجأ إلى اللّه وتتضرع إليه ، فإذا لم تستيقظ هذه القلوب ولم تنفتح ولم تنتفع بالابتلاء ، أخذهم اللّه بالسراء - وهي أشد في الابتلاء - حتى يزدادوا عن قدر اللّه غفلة ، ويظنوا الحياة لهوا ولعبا . وعندئذ يأخذهم اللّه بغتة على حين غفلة :
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ، وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ! فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
. . وهنا يكشف السياق كذلك عن العلاقة بين القيم الإيمانية وسنن اللّه في أخذ الناس ، حيث لا انفصال في خطوات قدر اللّه بين هذه السنن وتلك القيم . هذه العلاقة التي تخفى على الغافلين ، لأن آثارها قد لا تبدو في المدى القريب ؛ ولكنها لا بد واقعة في المدى الطويل :
« وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؛ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . ويعقب الكشف عن خطوات قدر اللّه بالمكذبين ؛ وسنته وعلاقتها بالقيم الإيمانية في حياة البشر ؛ لمسات من التهديد تهز القلوب ؛ ولفتات إلى مصارع المكذبين توقظ الغافلين :
« أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ . أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ؟ أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؟ فَلا يَأْمَنُ
في ظلال القرآن — صفحة 1327 | سيد قطب