تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1306

مساهمون:

ص١٣٠٦
* إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هو تعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية للّه الواحد ، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه ، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر . ولم يذكر القرآن إلا قليلا من التفصيلات بعد هذه القاعدة الأساسية المشتركة في الرسالات جميعا . ذلك أن كل تفصيل - بعد قاعدة العقيدة - في الدين ، إنما يرجع إلى هذه القاعدة ولا يخرج عنها . وأهمية هذه القاعدة في ميزان اللّه هي التي جعلت المنهج القرآني يبرزها هكذا ، ويفردها بالذكر في استعراض موكب الإيمان ؛ بل في القرآن كله . . ولنذكر - كما قلنا في التعريف بسورة الأنعام « 1 » أن هذا كان هو موضوع القرآن المكي كله ؛ كما كان هو موضوع القرآن المدني كلما عرضت مناسبة لتشريع أو توجيه . إن لهذا الدين « حقيقة » ؛ و « منهجا » لعرض هذه الحقيقة . « والمنهج » في هذا الدين لا يقل أصالة ولا ضرورة عن « الحقيقة » فيه . . وعلينا أن نعرف الحقيقة الأساسية التي جاء بها هذا الدين . كما أن علينا أن نلتزم المنهج الذي عرض به هذه الحقيقة . . وفي هذا المنهج إبراز وإفراد وتكرار وتوكيد لحقيقة التوحيد للألوهية . . ومن هنا ذلك التوكيد والتكرار والإبراز والإفراد لهذه القاعدة في قصص هذه السورة . . * إن هذا القصص يصور طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر في نفوس البشر ؛ ويعرض نموذجا مكررا للقلوب المستعدة للإيمان ، ونموذجا مكررا للقلوب المستعدة للكفر أيضا . . إن الذين آمنوا بكل رسول لم يكن في قلوبهم الاستكبار عن الاستسلام للّه والطاعة لرسوله ؛ ولم يعجبوا أن يختار اللّه واحدا منهم ليبلغهم وينذرهم . فأما الذين كفروا بكل رسول فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم ، فاستكبروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب في أيديهم للّه صاحب الخلق والأمر ، وأن يسمعوا لواحد منهم . . كانوا هم « الملأ » من الحكام والكبار والوجهاء وذوي السلطان في قومهم . . ومن هنا نعرف عقدة هذا الدين . . إنها عقدة الحاكمية والسلطان . . فالملأ كانوا يحسون دائما ما في قول رسولهم لهم :
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. . .
« وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . كانوا يحسون أن الألوهية الواحدة والربوبية الشاملة تعني - أول ما تعني - نزع السلطان المغتصب من أيديهم ؛ ورده إلى صاحبه الشرعي . . إلى اللّه رب العالمين . . وهذا ما كانوا يقاومون في سبيله حتى يكونوا من الهالكين ! وقد بلغ من عقدة السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم بالغابر ، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك ، كما يسلك طريقه إلى جهنم كذلك ! . . إن مصارع المكذبين - كما يعرضها هذا القصص - تجري على سنة لا تتبدل : نسيان لآيات اللّه وانحراف عن طريقه . إنذار من اللّه للغافلين على يد رسول . استكبار عن العبودية للّه وحده والخضوع لرب العالمين . اغترار بالرخاء واستهزاء بالإنذار واستعجال للعذاب . طغيان وتهديد وإيذاء للمؤمنين . ثبات من المؤمنين ومفاصلة على العقيدة . . ثم المصرع الذي يأتي وفق سنة اللّه على مدار التاريخ ! * وأخيرا فإن طاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق . . وحتى حين يريد الحق أن يعيش في عزلة عن الباطل - تاركا مصيرهما لفتح اللّه وقضائه - فإن الباطل لا يقبل منه هذا الموقف . بل يتابع الحق وينازله ويطارده . . ولقد قال شعيب لقومه :
« وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ »
. . ولكنهم لم يقبلوا منه هذه الخطة ، ولم يطيقوا رؤية الحق يعيش ؛ ولا رؤية جماعة تدين للّه وحده وتخرج من سلطان الطواغيت :
« قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : لَنُخْرِجَنَّكَ
هامش
( 1 ) الجزء السابع : ص 1004 - 1015