تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1305

مساهمون:

ص١٣٠٥
غير ما يقوله اللّه سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائما بحقيقة واحدة . وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو « رب العالمين » . . الذي يحاسب الناس في يوم عظيم . . فلم يكن هنا لك رسول من عند اللّه دعا إلى رب قبيلة ، أو رب أمة ، أو رب جنس . . كما أنه لم يكن هناك رسول من عند اللّه دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة . . وكذلك لم يكن هناك رسول من عند اللّه دعا إلى عبادة طوطمية ، أو نجمية ، أو « أرواحية ! » أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند اللّه ليس فيه عالم آخر . . كما يزعم من يسمونهم « علماء الأديان » وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة ، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان ، دون غيرها ! لقد جاءت الرسل - رسولا بعد رسول - بالتوحيد الخالص ، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين . . ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد ، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة ، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها . . هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية . . هي هذه التي يدرسها « علماء الأديان ! » ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها ! وعلى أية حال فهذا هو قول اللّه - سبحانه - وهو أحق أن يتبع ، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية ، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن ، فهم وما هم فيه . . واللّه يقص الحق وهو خير الفاصلين . . * إن كل رسول من الرسل - صلوات اللّه عليهم جميعا - قد جاء إلى قومه ، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه . . فبنو آدم الأوائل نشئوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى . ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون . وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم . حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم . . حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم . . ثم تكررت القصة . . وهكذا . . ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه . فقال :
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. . وقال كل رسول لقومه : « إني لكم ناصح أمين » ، معبرا عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه ، وهو منهم وهم منه . . وفي كل مرة وقف « الملأ » من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام للّه رب العالمين . وأبوا أن تكون العبودية والدينونة للّه وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين اللّه كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت . . ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة . وتنبتّ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها . وإذا « القوم » الواحد ، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة ! . . وعندئذ يجيء الفتح . . ويفصل اللّه بين الأمة المهتدية والأمة الضالة ، ويأخذ المكذبين المستكبرين ، وينجي الطائعين المستسلمين . . وما جرت سنة اللّه قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة ، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم للّه وحده . وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم . وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم . . وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة اللّه على مدار التاريخ .