يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا »
. . وهنا صدع شعيب بالحق رافضا هذا الذي يعرضه عليهم الطواغيت :
« قالَ : أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ؟ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها . . »
ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى اللّه أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضا ، وأنه لا يجديهم فتيلا أن يتقوها ويتجنبوها . فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية ، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم اللّه منها . وقد نجاهم اللّه منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية للّه وحده . .
فلا مفر من خوض المعركة ، والصبر عليها ، وانتظار فتح اللّه بعد المفاصلة فيها ؛ وأن يقولوا مع شعيب :
« عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ »
. . ثم تجري سنة اللّه بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ . .
ونكتفي بهذه المعالم في طريق القصص القرآني ، حتى نستعرض النصوص بالتفصيل :
إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل اللّه الكرام ، مسبوق في السياق بموكب الإيمان في الكون كله . في الفقرة السابقة مباشرة :
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
. .
وإن الدينونة لهذا الإله ، الذي خلق السماوات والأرض ، والذي استوى على العرش ، والذي يحرك الليل ليطلب النهار ، والذي تجري الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، والذي له الخلق والأمر .
إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة . هي التي يدعون إليها البشرية كلها ، كلما قعد لها الشيطان على صراط اللّه فأضلها عنه ؛ وردها إلى الجاهلية التي تتبدى في صور شتى ؛ ولكنها كلها تتسم بإشراك غير اللّه معه في الربوبية .
والمنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون للّه ، ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه ؛ والإسلام للّه الذي أسلم له الكون كله ؛ والذي يتحرك مسخرا بأمره . ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية كفيل بأن يهز القلب البشري هزا ؛ وأن يستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة ؛ فلا يكون هو وحده نشازا في نظام الوجود كله ! إن الرسل الكرام لا يدعون البشرية لأمر شاذ ؛ إنما يدعونها إلى الأصل الذي يقوم عليه الوجود كله ؛ وإلى الحقيقة المركوزة في ضمير هذا الوجود . . وهي ذاتها الحقيقة المركوزة في فطرة البشر ؛ والتي تهتف بها فطرتهم حين لا تلوي بها الشهوات ، ولا يقودها الشيطان بعيدا عن حقيقتها الأصيلة . .
وهذه هي اللمسة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به .
« لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ، فَقالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . قالَ : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ، وَأَنْصَحُ لَكُمْ ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ