تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1309

مساهمون:

ص١٣٠٩
بعد ما يبلغ المسخ في الفطر ! . . هكذا تنقلب الموازين ، وتبطل الضوابط ، ويحكم الهوى ؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان اللّه الذي لا ينحرف ولا يميل . وما ذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين يهدى اللّه ؟ إنها تسميهم الضالين ، وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول ! . . أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه ، وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه ! وما ذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها ؟ وما ذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص ؟ إنها تسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما « رجعية » وتخلفا وجمودا وريفية ! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما وتطهرهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه ! وما ذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة ؛ وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه ؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي ؟ إنها تقول عنه : إنه « جامد » . ومغلق على نفسه ، وتنقصه المرونة والثقافة ! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته . . إن الجاهلية هي الجاهلية . . فلا تتغير إلا الأشكال والظروف ! وينفي نوح عن نفسه الضلال ، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومنبعها ، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه . إنما هو رسول من رب العالمين . يحمل لهم الرسالة . ومعها النصح والأمانة . ويعلم من اللّه ما لا يعلمون . فهو يجده في نفسه ، وهو موصول به ، وهم عنه محجوبون :
« قالَ : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ، وَأَنْصَحُ لَكُمْ ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. . ونلمح هنا فجوة في السياق . . فكأنما عجبوا أن يختار اللّه رسولا من البشر من بينهم ، يحمله رسالة إلى قومه ، وأن يجد هذا الرسول في نفسه علما عن ربه لا يجده الآخرون ، الذين لم يختاروا هذا الاختيار . . هذه الفجوة في السياق يدل عليها ما بعدها :
« أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ، وَلِتَتَّقُوا ، وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ؟ »
. . وما من عجب في هذا الاختيار . فهذا الكائن الإنساني شأنه كله عجيب . . إنه يتعامل مع العوالم كلها ، ويتصل بربه بما ركب في طبيعته من نفخة اللّه فيه من روحه . . فإذا اختار اللّه من بينه رسوله - واللّه أعلم حيث يجعل رسالته - فإنما يتلقى هذا المختار عنه ، بما أودع في كيانه من إمكانية الاتصال به والتلقي عنه ، بذلك السر اللطيف الذي به معنى الإنسان ، والذي هو مناط التكريم العلوي لهذا الكائن العجيب التكوين . ويكشف لهم نوح عن هدف الرسالة :
« لِيُنْذِرَكُمْ ، وَلِتَتَّقُوا ، وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ »
. . فهو الإنذار لتحريك القلوب بمشاعر التقوى ، ليظفروا في النهاية برحمة اللّه . . ولا شيء وراء ذلك لنوح ، ولا مصلحة ، ولا هدف ، إلا هذا الهدف السامي النبيل . ولكن الفطرة حين تبلغ حدا معينا من الفساد ، لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر ، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير :
« فَكَذَّبُوهُ ، فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ »
. .