اللّه المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل . تحت ضغط الشهوات ، التي يقودها الشيطان من خطامها ، محاولا أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده ، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى ، ويلوّح لها بالنور ، ويستروح بها ريح الجنة ، ويحذرها لفحات السموم ، ونزغات الشيطان الرجيم ، عدوها القديم . .
. . إنه مشهد رائع . . مشهد الصراع العميق ، في خضم الحياة ، على طول الطريق . .
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد . . إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة ، المعقد التركيب . .
الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة اللّه وقدره . . عنصر الطين الذي نشأ منه ، وعنصر النفخة من روح اللّه ، التي جعلت من هذا الطين إنسانا . . إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك ، معقدة كل التعقيد . . يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الآفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها « 1 » . . يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها ، وقدرتها وجبروتها ، ورحمتها وفضلها . .
إلخ . . . ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته . . ويتعامل مع إبليس وقبيله . . ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن اللّه فيه . . ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض . . ويتعامل مع بعضه البعض . . يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك ، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم . .
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط ، يجري تاريخه . . ومن القوة في كيانه والضعف . ومن التقوى والهدى . ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود . ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية ، ومن التعامل مع قدر اللّه في النهاية . . من هذا كله يتكون تاريخه . . وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه .
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيرا « اقتصاديا » أو « سياسيا » . والذين يفسرونه تفسيرا « بيولوجيا » .
والذين يفسرونه تفسيرا « روحيا » أو « نفسيا » . والذين يفسرونه تفسيرا « عقليا » . . . كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة ، والعوالم المتباعدة ، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه . . والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع ، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله . « 2 » ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم . . لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى . . ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية . . شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارئ العظيم يعلن ميلاده . . وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه . . وشهدنا مهبطه إلى الأرض . . وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية . .
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمنا بربه ؛ مستغفرا لذنبه ؛ مأخوذا عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى ، مزودا بتلك التجربة الأولى في حياته . .
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته
هامش
( 1 ) ص 1263 - 1265 من هذا الجزء
( 2 ) يراجع فصل : « حقيقة الإنسان » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني . « دار الشروق » .