تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1292

مساهمون:

ص١٢٩٢
ويتخاصمون . وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد ، بعد أن كانوا أصفياء أولياء . . فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون متصافون متوادون ، يرف عليهم السلام والولاء :
« وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ »
. . فهم بشر . وهم عاشوا بشرا . وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه ، وغل يغالبونه ويغلبونه . . ولكن تبقى في القلب منه آثار . قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن : ( قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم : « الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه اللّه من قلوب المؤمنين » . . وروي عن علي - رضي اللّه عنه - أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال اللّه تعالى فيهم :
« وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ »
. . وإذا كان أهل النار يصطلون النار من تحتهم ومن فوقهم . فأهل الجنة تجري من تحتهم الأنهار ؛ فترف على الجو كله أنسام :
« تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ »
. . وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام ، فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف :
« وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ ، لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ »
. . وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب :
« ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ »
. . فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم :
« وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . إنه التقابل التام بين أصحاب الجنة وأصحاب النار . ثم يستمر العرض ، فإذا نحن أمام مشهد لاحق للمشهد السابق . . لقد اطمأن أصحاب الجنة إلى دارهم ؛ واستيقن أصحاب النار من مصيرهم . وإذا الأولون ينادون الآخرين ، يسألونهم عما وجدوه من وعد اللّه القديم :
« وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ : أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قالُوا : نَعَمْ ! فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ : أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ »
. . وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه . . إن المؤمنين على ثقة من تحقق وعيد اللّه كثقتهم من تحقق وعده . ولكنهم يسألون ! ويجيء الجواب في كلمة واحدة . . نعم . . ! وعندئذ ينتهي الجواب ، ويقطع الحوار :
« فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ : أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ »
. . فيتحدد معنى « الظالمين » المقصود . وهو مرادف لمعنى « الكافرين » فهم الذين يصدون عن سبيل اللّه ، ويريدون الطريق عوجا لا استقامة فيه ، وهم بالآخرة كافرون . وفي هذا الوصف : « ويبغونها عوجا » . . إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل اللّه . إنهم يريدون