تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1290

مساهمون:

ص١٢٩٠
وكذلك شهدناهم من قبل في سياق السورة عندما جاءهم بأس اللّه في الدنيا :
« فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ »
! فإذا انتهى مشهد الاحتضار ، فنحن أمام المشهد التالي ، وهؤلاء المحتضرون في النار ! . . ويسكت السياق عما بينهما ، ويسقط الفترة بين الموت والبعث والحشر . وكأنما يؤخذ هؤلاء المحتضرون من الدار إلى النار !
« قالَ : ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ، كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها ، حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ : رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ . قالَ : لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ . وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ، فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ »
.
« ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ »
. انضموا إلى زملائكم وأوليائكم من الجن والإنس . . هنا في النار . . أليس إبليس هو الذي عصى ربه ؟ وهو الذي أخرج آدم من الجنة وزوجه ؟ وهو الذي أغوى من أغوى من أبنائه ؟ وهو الذي أوعده اللّه أن يكون هو ومن أغواهم في النار ؟ . . فأدخلوا إذن جميعا . . ادخلوا سابقين ولاحقين . . فكلكم أولياء . . وكلكم سواء ! ولقد كانت هذه الأمم والجماعات والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها ؛ ويملي متبوعها لتابعها . . فلتنظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها ، وكيف يكون التنابز فيها :
« كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها »
! فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه ؛ ويتنكر فيها الولي لمولاه !
« حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً »
. . وتلاحق آخرهم وأولهم ، واجتمع قاصيهم بدانيهم ، بدأ الخصام والجدال :
« قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ : رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا ، فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ »
. . وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم ! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء ، وهم متناكرون أعداء ؛ يتهم بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، ويطلب له من « ربنا » شر الجزاء . . من « ربنا » الذي كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته ؛ وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء ! فيكون الجواب استجابة للدعاء . ولكن أية استجابة ؟ !
« قالَ : لِكُلٍّ ضِعْفٌ ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ »
. لكم ولهم جميعا ما طلبتم من مضاعفة العذاب ! وكأنما شمت المدعو عليهم بالداعين ، حينما سمعوا جواب الدعاء ، فإذا هم يتوجهون إليهم بالشماتة . . كلنا سواء . . في هذا الجزاء :
« وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ : فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ . فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ »
! وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم ، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم - :
في ظلال القرآن — صفحة 1290 | سيد قطب