بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد ، من المنشأ إلى المعاد ، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون ، وفي صفحته المعروضة للأنظار . فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان .
ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره ، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار . وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر اللّه . وإلى الرياح الدائرة في الجواء ، تقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن اللّه - فإذا هو حي ، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات .
هذه السبحات في ملكوت اللّه ، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل اللّه ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من اللّه ولا شرع . . يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم ، الذي خلق هذا الوجود وسخره ، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره ، والذي له الخلق والأمر وحده . .
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه ، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازا في الوجود ، يجعل الناشز غريبا شائها في الوجود .
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
« ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »
. .
إن إخلاص الدين للّه ، وتقرير عبودية البشر له ، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله ، وعبودية الوجود كله لسلطانه . . وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري . . وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة ، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة . .
لا بد يستشعر تأثيرا لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر . . وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي اللّه ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه .
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده ، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية ، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق اللّه ، يتجاوب وإياه ! إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود للّه ، وتسخيره بأمره ، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه . . إنما هو مذاق آخر - وراء