تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1289

مساهمون:

ص١٢٨٩
القديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس ، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة . . ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار ، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبئ به هؤلاء الرسل ، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة ، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها . وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا اللّه ، قد ردوا إلى الجنة ، ونودوا من الملأ الأعلى :
« أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . فكأنما هي أوبة المهاجرين ، وعودة المغتربين ، إلى دار النعيم ! وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها ، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه . فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى ، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق اللّه آدم وزوجه وأسكنهما الجنة ، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة ، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة . . فيتصل البدء بالنهاية . ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها . وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق . والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة : ها نحن أولاء أمام مشهد الاحتضار . احتضار الذين افتروا على اللّه الكذب ، فزعموا أن ما ورثوه عن آبائهم من التصورات والشعائر ، وما شرعوه هم لأنفسهم من التقاليد والأحكام ، أمرهم به اللّه ، والذين كذبوا بآيات اللّه التي جاءهم بها الرسل - وهي شرع اللّه المستيقن - وآثروا الظن والخرص على اليقين والعلم . وقد نالوا نصيبهم من متاع الدنيا الذي كتب لهم ، ومن فترة الابتلاء التي قدرها اللّه ، كما نالوا نصيبهم من آيات اللّه التي أرسل بها رسله وأبلغهم الرسل نصيبهم من الكتاب :
« فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ؟ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ، حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ، قالُوا : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالُوا : ضَلُّوا عَنَّا ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ »
. . ها نحن أولاء أمام مشهد هؤلاء الذين افتروا على اللّه كذبا أو كذبوا بآياته ؛ وقد جاءتهم رسل ربهم من الملائكة يتوفونهم ، ويقبضون أرواحهم . فدار بين هؤلاء وهؤلاء حوار :
« قالُوا : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ »
. . أين دعاويكم التي افتريتم على اللّه ؟ وأين آلهتكم التي توليتم في الدنيا ، وفتنتم بها عما جاءكم من اللّه على لسان الرسل ؟ أين هي الآن في اللحظة الحاسمة التي تسلب منكم فيها الحياة ؛ فلا تجدون لكم عاصما من الموت يؤخركم ساعة عن الميقات الذي أجله اللّه ؟ ويكون الجواب هو الجواب الوحيد ، الذي لا معدى عنه ، ولا مغالطة فيه :
« قالُوا : ضَلُّوا عَنَّا »
! غابوا عنا وتاهوا ! فلا نحن نعرف لهم مقرا ، ولا هم يسلكون إلينا طريقا ! . . فما أضيع عبادا لا تهتدي إليهم آلهتهم ، ولا تسعفهم في مثل هذه اللحظة الحاسمة ! وما أخيب آلهة لا تهتدي إلى عبادها . في مثل هذا الأوان !
« وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ »
. .