« إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ، وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ . لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ »
. .
ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب . . مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة . فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير ، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين ، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم ! أما الآن ، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط ، فهم هنا في النار ، التي تداركوا فيها جميعا وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا ، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء ، ونالوا جميعا ما طلبه الأولياء للأولياء !
« وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ »
. .
ثم إليك هيئتهم في النار :
« لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ »
. .
فلهم من نار جهنم من تحتهم فراش ، يدعوه - للسخرية - مهادا ، وما هو مهد ولا لين ولا مريح ! - ولهم من نار جهنم أغطية تغشاهم من فوقهم !
« وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ »
. .
والظالمون هم المجرمون . والظالمون هم المشركون المكذبون بآيات اللّه ، المفترون الكذب على اللّه . . كلها أوصاف مترادفة في تعبير القرآن .
والآن فلننظر إلى المشهد المقابل :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ - لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها - أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ، وَقالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا - وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ - لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ . وَنُودُوا : أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قدر استطاعتهم ، لا يكلفون إلا طاقتهم . . هؤلاء هم يعودون إلى جنتهم ! إنهم أصحابها - بإذن اللّه وفضله - ورثها لهم - برحمته - بعملهم الصالح مع الإيمان . . جزاء ما اتبعوا رسل اللّه وعصوا الشيطان . وجزاء ما أطاعوا أمر اللّه العظيم الرحيم ، وعصوا وسوسة العدو اللئيم القديم ! ولولا رحمة اللّه ما كفى عملهم - في حدود طاقتهم - وقد قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله » . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » « 1 » . وليس هنا لك تناقض ولا اختلاف بين قول اللّه سبحانه في هذا الشأن ، وقول رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - وهو لا ينطق عن الهوى . . وكل ما ثار من الجدل حول هذه القضية بين الفرق الإسلامية لم يقم على الفهم الصحيح لهذا الدين ، إنما ثار عن الهوى ! فلقد علم اللّه من بني آدم ضعفهم وعجزهم وقصورهم عن أن تفي أعمالهم بحق الجنة . ولا بحق نعمة واحدة من نعمه عليهم في الدنيا . فكتب على نفسه الرحمة ؛ وقبل منهم جهد المقل القاصر الضعيف ؛ وكتب لهم به الجنة ، فضلا منه ورحمة ، فاستحقوها بعملهم ولكن بهذه الرحمة . .
وبعد ، فإذا كان أولئك المفترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم .