تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1285

مساهمون:

ص١٢٨٥
إلى أن بقاءهم في هذه الأرض محدود مرسوم ؛ وأنه إذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون :
« وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »
. إنها حقيقة أساسية من حقائق هذه العقيدة ، يوقع بها السياق على أوتار القلوب الغافلة - غير الذاكرة ولا الشاكرة - لتستيقظ ، فلا يغرها امتداد الحياة ! والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة . وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها . . وسواء هذا الأجل أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون . وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لاحظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - « 1 » ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام . . ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار ، بدأ أولا بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلا من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على اللّه - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع اللّه . ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن اللّه حرم هذا الذي يحرمونه ، وأحل هذا الذي يحلونه :
« أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
. . ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر اللّه وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :
« سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ! كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا . قُلْ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ : قُلْ : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ . قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا . فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. . حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه ، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم اللّه عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره :
« قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
. . إلخ » . . وهنا كذلك سار على نفس النسق ، وعلى ذات الخطوات . . ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام . وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك ، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة اللّه عليهم في إنزال اللباس والرياش . . ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع اللّه وأمره :
« قُلْ : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ . كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
. مشيرا هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم . . حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلا :
« قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ - ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ - وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ
هامش
( 1 ) ص 1196 - 1229 في هذا الجزء الثامن