وهو إنما يأتيهم من ناحية نقط الضعف فيهم ومداخل الشهوة . ولا عاصم لهم منه إلا بالتقوّي بالإيمان والذكر والتقوّي على إغوائه ووسوسته ، والاستعلاء على الشهوات وإخضاع الهوى لهدى اللّه .
والمعركة مع الشيطان هي المعركة الرئيسية . إنها المعركة مع الهوى باتباع الهدى . والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة . والمعركة مع الشر والفساد في الأرض الذي يقود الشيطان أولياءه إليه باتباع شريعة اللّه المصلحة للأرض . . والمعركة في الضمير والمعركة في الحياة الواقعية متصلتان لا منفصلتان . فالشيطان وراءهما جميعا ! والطواغيت التي تقوم في الأرض لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها وقيمها وموازينها ، وتستبعد حاكمية اللّه وشرعه والقيم والموازين المنبثقة من دينه . . إنما هي شياطين الإنس التي توحي لها شياطين الجن . والمعركة معها هي المعركة مع الشيطان نفسه . وليست بعيدة عنها .
وهكذا تتركز المعركة الكبرى الطويلة الضارية في المعركة مع الشيطان ذاته . ومع أوليائه . ويشعر المسلم وهو يخوض المعركة مع هواه وشهواته ؛ وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأذنابهم ؛ وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال الذي ينشئونه في الأرض من حولهم . . يشعر المسلم وهو يخوض هذه المعارك كلها ، أنه إنما يخوض معركة واحدة جدية صارمة ضارية ، لأن عدوه فيها مصرّ ماض في طريقه . . وأن الجهاد - من ثم - ماض إلى يوم القيامة . في كل صوره ومجالاته .
* وأخيرا فإن القصة والتعقيبات عليها - كما سيجيء - تشير إلى شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته .
وهو الحياء من التعري وانكشاف سوأته :
« فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ ، لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما »
. .
« فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ »
. .
« يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ، وَرِيشاً ، وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ . ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ »
. .
« يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما »
. .
وكلها توحي بأهمية هذه المسألة ، وعمقها في الفطرة البشرية . فاللباس ، وستر العورة ، زينة للإنسان وستر لعوراته الجسدية . كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية .
والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوآتها الجسدية والنفسية ، وتحرص على سترها ومواراتها . . والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس ، وتعرية النفس من التقوى ، ومن الحياء من اللّه ومن الناس ؛ والذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة - في شتى الصور والأساليب الشيطانية الخبيثة - هم الذين يريدون سلب « الإنسان » خصائص فطرته ، وخصائص « إنسانيته » التي بها صار إنسانا . وهم الذين يريدون إسلام الإنسان لعدوه الشيطان وما يريده به من نزع لباسه وكشف سوآته ! وهم الذين ينفذون المخططات الصهيونية الرهيبة لتدمير الإنسانية وإشاعة الانحلال فيها لتخضع لملك صهيون بلا مقاومة . وقد فقدت مقوماتها الإنسانية ! إن العري فطرة حيوانية . ولا يميل الإنسان إليه إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان . وإن رؤية العري جمالا هو انتكاس في الذوق البشري قطعا . والمتخلفون في أواسط إفريقية عراة . والإسلام حين يدخل بحضارته إلى هذه المناطق يكون أول مظاهر الحضارة اكتساء العراة ! فأما في الجاهلية الحديثة « التقدمية » فهم يرتكسون إلى الوهدة التي ينتشل الإسلام المتخلفين منها ، وينقلهم إلى مستوى « الحضارة »