* والحقيقة الثالثة : أن هذا الكائن - على كل تفرده هذا أو بسبب تفرده هذا - ضعيف في بعض جوانب تكوينه ، حتى ليمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل ، من خطام شهواته . . وفي أولها ضعفه تجاه حبّ البقاء ، وضعفه تجاه حب الملك . . وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبعد عن هدى اللّه ، ويستسلم لهواه ، أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه ، في جهد ناصب ، لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل ! وقد اقتضت رحمة اللّه به - من ثم - ألا يتركه لفطرته وحدها ، ولا لعقله وحده ، وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير - كما سيجيء في آية تالية في معرض التعقيب على القصة - وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له . . . النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى اللّه . والنجاة من عدوه الذي يخنس ويتوارى عند ذكره لربه ، وتذكر رحمته وغضبه ، وثوابه وعقابه . .
وهذه كلها مقويات لإرادته ، حتى يستعلي على ضعفه وشهواته . . وقد كان أول تدريب له في الجنة هو فرض « المحظور » عليه ؛ لتقوية هذه الإرادة ، وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف . وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى ، فقد كانت هذه التجربة رصيدا له فيما سيأتي ! ومن رحمة اللّه به كذلك أن جعل باب التوبة مفتوحا له في كل لحظة . فإذا نسي ثم تذكر ؛ وإذا عثر ثم نهض ؛ وإذا غوى ثم تاب . . وجد الباب مفتوحا له ، وقبل اللّه توبته ، وأقال عثرته . فإذا استقام على طريقه بدل اللّه سيئاته حسنات ، وضاعف له ما شاء . ولم يجعل خطيئته الأولى لعنة مكتوبة عليه وعلى ذريته .
فليست هنالك خطيئة أبدية . وليست هنا لك خطيئة موروثة - ولا تزر وازرة وزر أخرى .
وهذه الحقيقة في التصور الإسلامي تنقذ كاهل البشرية من أسطورة الخطيئة الموروثة التي تقوم عليها التصورات الكنسية في المسيحية ؛ والتي يقوم عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات فوق ما يقوم فوقها من الأساطير والخرافات . . خطيئة آدم التي تلازم البشرية كاللعنة المصلتة على الرقاب ! حتى يتمثل الإله في صورة ابن الإنسان ( المسيح ) ويصلب ويحتمل العذاب للتكفير عن هذه الخطيئة الموروثة ؛ ومن ثم يكتب ( الغفران ) لمن يتحد بالمسيح الذي كفر بدمه عن خطيئة آدم التي ورثتها البشرية ! إن الأمر في التصور الإسلامي أيسر من هذا بكثير . . لقد نسي آدم وأخطأ . . ولقد تاب واستغفر . ولقد قبل اللّه توبته وغفر له . . وانتهى أمر تلك الخطيئة الأولى . ولم يبق منها إلا رصيد التجربة الذي يعين الجنس البشري في صراعه الطويل المدى . .
أية بساطة ! وأي وضوح ! وأي يسر في هذه العقيدة ! * والحقيقة الرابعة : هي جدية المعركة مع الشيطان وأصالتها ، واستمرارها وضراوتها . .
لقد بدا من سياق القصة إصرار هذا العدو العنيد على ملاحقة الإنسان في كل حالة ، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة ، وعلى اتباعه في كل ساعة ولحظة :
« قالَ : فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ »
. .
لقد اختار اللعين أن يزاول هذا الكيد ، وأن ينظر لمزاولته على المدى الطويل . . اختار هذا على أن يضرع إلى اللّه أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانا وقد سمع أمره مواجهة ! ثم بين أنه سيقعد لهم على طريق اللّه لا يمكنهم من سلوكه ؛ وأنه سيأتيهم من كل جهة يصرفهم عن هداه .