تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1273

مساهمون:

ص١٢٧٣
المقدرة على الظلم والجهل ! . . فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده . كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة . فالحجم ليس هو كل شيء . وخصيصة العقل القابل للمعرفة ، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية للّه - والاختيار والترجيح الذاتي . . كل أولئك يفوق في قيمته ، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره . هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض ، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ، والعوالم التي يتعامل معها . إنه يتعامل تعاملا مباشرا مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده ، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه ، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة
« وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها »
- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى ، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة « 1 » - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها ، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه ، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته . . إلى آخر نعمة اللّه على هذا الكائن المتفرد في الكون كله . ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى . . أسجد اللّه له الملائكة ، وجعل منهم حفظة عليه ، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه ، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا اللّه ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم ، وعلى المجاهدين في سبيل اللّه ينصرونهم ويبشرونهم كذلك ، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب . . إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل . في الدنيا وفي الآخرة كذلك . ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم . . وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان . وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم . كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى . وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام . كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن اللّه ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها ، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها ، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم . . ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها . . وأخيرا فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة ، حين يخلص عبوديته للّه ويترقى فيها إلى منتهاها . كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص « إنسانيته » ويتمرغ في الوحل الحيواني . . وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس وأبعد مدى ! وليس هذا كله لغير الإنسان كما تلهمه هذه القصة وبقية النصوص الأخرى . .
هامش
( 1 ) الجزء الأول ص 57 .