تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1271

مساهمون:

ص١٢٧١
والذين لا يعرفون اللّه سبحانه ، ولا يقدرونه حق قدره ، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة . فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقا من مخلوقات هذه الأرض . ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون . قالوا : إنه ليس من « المعقول » ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة ، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة ! . . وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار اللّه وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة ! وحقا لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض ، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره ، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه . . غير أن اللّه - سبحانه - هو اللّه ! هو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . هو صاحب هذا الملك الكبير الذي لا يقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته . . إنما آفة هذا الإنسان ، حين ينحرف عن هدى اللّه ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه اللّه . ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة ! يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب : « الكون الغامض » : « ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن ، وعن الغرض من وجوده ، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع . وكيف لا يكون الكون مخيفا مرعبا ، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟ . . وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة ، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء . ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم ! . . ولكن أخوف ما يخاف العالم من أجله : أنه لا يعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا . وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته . وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قويا . ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة . . كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حدا يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع ، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معاديا للحياة أو مبيدا لها . « هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف . وإذا لم يكن حقا أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه ، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ! » . وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة . . ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلا . . أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلا - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا ، ومن ثم طلع هكذا في الكون ، وأنف الكون راغم ؟ ! إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء « العلماء » يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات ، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات « الميتافيزيقية » التي لا تستند على