تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1165

مساهمون:

ص١١٦٥
وتدل الشواهد من الكيميا وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية ، بل وجدت بصورة فجائية . وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد . وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقا . وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان « 1 » . « فإذا كان هذا العالم المادي عاجزا عن أن يخلق نفسه ، أو يحدد القوانين التي يخضع لها ، فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي . وتدل الشواهد جميعا على أن هذا الخالق لا بد أن يكون متصفا بالعقل والحكمة . إلا أن العقل لا يستطيع أن يعمل في العالم المادي - كما في ممارسة الطب والعلاج السيكلوجي - دون أن يكون هنالك إرادة . ولا بد لمن يتصف بالإرادة أن يكون موجودا وجودا ذاتيا . . وعلى ذلك فإن النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقا فحسب ، بل لا بد أن يكون هذا الخالق حكيما عليما قادرا على كل شيء ، حتى يستطيع أن يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره ؛ ولا بد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود ، تتجلى آياته في كل مكان . وعلى ذلك فإنه لا مفر من التسليم بوجود اللّه ، خالق هذا الكون وموجهه - كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال . « إن التقدم الذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ، ما قاله من قبل ، من أننا إذا فكرنا تفكيرا عميقا ، فإن العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان باللّه » . . ويقول فرانك أللن عالم الطبيعة البيولوجية في مقال « نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد » من الكتاب نفسه : « كثيرا ما يقال : إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق . ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود ، فكيف نفسر وجوده ؟ . . هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال : فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال - وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده - وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم . وإما أن يكون أزليا ليس لنشأته بداية . وإما أن يكون له خالق . أما الاحتمال الأول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس ، فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام ، ليس له ظل من الحقيقة . ولقد عاد إلى هذا الرأي في العلوم الطبيعية أخيرا سير جيمس جينز « 2 » ، الذي يرى أن هذا الكون ليس له وجود فعلي ، وأنه مجرد صورة في أذهاننا . وتبعا لهذا الرأي نستطيع أن نقول : إننا نعيش في عالم من الأوهام ! فمثلا هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلا خيالات ؛ وبها ركاب وهميون ، وتعبر أنهارا لا وجود لها ، وتسير فوق جسور غير مادية . . إلخ . وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال ! « أما الرأي الثاني القائل بأن هذا العالم ، بما فيه من مادة وطاقة ، قد نشأ هكذا وحده من العدم ، فهو لا يقل عن سابقه سخفا وحماقة ؛ ولا يستحق هو أيضا أن يكون موضعا للنظر أو المناقشة .
هامش
( 1 ) سبق أن قررنا أن نتائج العلوم كلها ظنية . ونحن لا نتخذ من هذا القول حجة على صدق الإسلام إنما نحن نواجه به من يرتكنون للعلم ويحتجون به ! ( 2 ) عالم طبيعي رياضي انجليزي معاصر ، وهو مؤلف كتاب : « الكون الغامض » المترجم إلى اللغة العربية . . ورأيه هذا ليس هو أول من قال به . فقد سبق في فلسفة أفلاطون ؛ ثم استغرق حوالي 150 سنة من الجدل بين المدارس الفلسفية ! وخاصة بين « المثالية » و « الوضعية » . . وما يزالون مختلفين !