تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1167

مساهمون:

ص١١٦٧
الأبدي . فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض . وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها . . وقد يفهم الإنسان سذاجة الأوّلين . ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين ! إن هؤلاء يتحدثون عن « الذرة » وعن « الكهرب » وعن « البروتون » وعن « النيوترون » . . وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط . فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات . . ولكنها مسلمة من هؤلاء ، كفرض ، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات . فإذا وقعت هذه الآثار ( جزموا ) بوجود الكائنات التي أحدثتها ! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو « احتمال » وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها ! . . ولكنهم حين يقال لهم عن وجود اللّه - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول ! يجادلون في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين . . كأن هذا الوجود بجملته ، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل ! وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس . وعلى تقريره عن ذات اللّه سبحانه بأنه :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
. يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه . . بقوله :
« قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ »
. . فهذا الذي جاء من عند اللّه . . بصائر . . والبصائر تهتدي وتهدي . . وهذا بذاته . . بصائر . . تهدي . فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور . وليس وراء ذلك إلا العمى . فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى . . معطل الحواس . مغلق المشاعر . مطموس الضمير . . ويوجه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته :
« وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ »
. . ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة : في صفة اللّه سبحانه :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
. . وبين قوله في الآية اللاحقة :
« قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها »
. . واستخدام الأبصار والبصائر ، والبصر والعمى ، في السياق المتناسق المتناغم . . بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوي ، الذي لا يتناسب مع أمية النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وبيئته ؛ والذي يدل بذاته على مصدره الرباني - لمن تتفتح بصيرته - ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات . ومن ثم كانوا يقولون : إن محمدا درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب ! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئا على هذا المستوي الذي يحدثهم محمد فيه ؛ وما كان أهل الأرض جميعا - وما يزالون - يبلغون شيئا من هذا المستوي السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون . ومن ثم يوجه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين :