تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1163

مساهمون:

ص١١٦٣
ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر . . أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه . . فكيف يكون للّه ولد - وليست له صاحبة - وهو - سبحانه - مفرد أحد ، ليس كمثله شيء . فأنى يكون النسل بلا تزاوج ؟ ! وهي حقيقة ، ولكنها تواجه مستواهم التصوري ؛ وتخاطبهم بالأمثلة القريبة من حياتهم ومشاهداتهم ! ويتكئ السياق - في مواجهتهم - على حقيقة « الخلق » لنفي كل ظل للشرك . فالمخلوق لا يكون أبدا شريكا للخالق . وحقيقة الخالق غير حقيقة المخلوق : كما يواجههم بعلم اللّه المطلق الذي لا تقابله منهم إلّا أوهام وظنون :
« وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ »
. .
« وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. . وكما واجههم السياق القرآني بحقيقة أن اللّه
« خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ »
، ليرتب عليها تهافت تصوراتهم بأن للّه - سبحانه - بنين وبنات ، أو أن له شركاء الجن - وهو خلقهم - فإنه يتكئ على هذه الحقيقة مرة أخرى . لتقرير أن الذي يعبد ويخضع له ويطاع ، ويعترف له بالدينونة وحده هو خالق كل شيء ، فلا إله إذن غيره ، ولا رب إذن سواه :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
. . إن تفرد اللّه سبحانه بالخلق ، يفرده سبحانه بالملك . والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق . فهو خالق خلقه ومالكهم ، فهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه . فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص للّه . . فإذا تقررت هذه الحقائق . . الخلق والملك والرزق . . تقرر معها - ضرورة وحتما - أن تكون الربوبية له سبحانه . فتكون له وحده خصائص الربوبية - وهي القوامة والتوجيه والسلطان الذي يخضع له ويطاع ، والنظام الذي يتجمع عليه العباد « 1 » - وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها . ومنها الطاعة والخضوع والاستسلام . ولم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن اللّه هو خالق هذا الكون ، وخالق الناس ، ورازقهم كذلك من ملكه ، الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد ! . . وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق - على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق ! - ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق . . لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة - مع اللّه - على سبيل الزلفى والقربى من اللّه ! - وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس . . أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود اللّه - سبحانه - كما يقول اليوم « ناس » ! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ! والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود اللّه اليوم قلة . وسيظلون قلة . إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية . وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير اللّه . . وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضا !
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « المصطلحات الأربعة في القرآن » للأستاذ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان : فصول : الألوهية والربوبية والعبادة .