تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1168

مساهمون:

ص١١٦٨
« وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ، وَلِيَقُولُوا : دَرَسْتَ ، وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا . وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ »
. . إن اللّه يصرف آياته على هذا المستوي الذي لا عهد للعرب به ؛ لأنه ليس نابعا من بيئتهم - كما أنه ليس نابعا من البيئة البشرية على العموم - فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة : فأما الذين لا يريدون الهدى ، ولا يرغبون في العلم ، ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة . . فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلا لهذا المستوي الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلفون ما يعلمون أنه لم يقع . فما كان شيء من حياة محمد خافيا عليهم قبل الرسالة ولا بعدها . . ولكنهم يقولون : درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم ! وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئا على هذا المستوي . . وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك ما تزال بين أيدينا . والمسافة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وهذا القرآن الكريم . . إن ما بين أيديهم إن هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين - هذا فيما يختص بالعهد القديم - فأما العهد الجديد - وهو الأناجيل - فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح - عليه السّلام - بعد عشرات السنين ؛ وتداولتها المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على ممر السنين . وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان . . وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك ، وما يزال . . فأين هذا كله من القرآن الكريم ؟ ! ولكن المشركين - في جاهليتهم - كانوا يقولون هذا ؛ وأعجب العجب أن جاهليين في هذا العصر من « المستشرقين » و « المتمسلمين » ! يقولون هذا القول فيسمى الآن « علما » و « بحثا » و « تحقيقا » لا يبلغه إلا المستشرقون ! فأما الذين « يعلمون » حقا ، فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه :
« وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
. . ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون ، وقوم عمي لا يعلمون ! ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم ، وقد صرف اللّه الآيات ، فافترق الناس في مواجهتها فريقين . . يصدر الأمر العلوي للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يتبع ما أوحي إليه ، وأن يعرض عن المشركين ، فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت ، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم . فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه ؛ فيصوغ حياته كلها على أساسه ؛ ويصوغ نفوس أتباعه كذلك . ولا عليه من المشركين ؛ فإنما هو يتبع وحي اللّه ، الذي لا إله إلا هو ، فما ذا عليه من العبيد ؟ !
« اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »
. . ولو شاء اللّه أن يلزمهم الهدى لألزمهم ، ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم . ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال ، وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به ، ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها ؛ وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره اللّه له . باستعداداته هذه وتصرفاته :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا »
. .