والقلة الشاذة التي تجادل في وجود اللّه اليوم لا تعتمد على « العلم » وإن كانت هذه دعواها . فالعلم البشري ذاته لا يملك أن يقرر هذا الإلحاد ولا يجد عليه دليلا لا من هذا العلم ولا من طبيعة الكون . . إنما هي لوثة سببها الأول الشرود من الكنيسة وإلهها الذي كانت تستذل به الرقاب من غير أصل من الدين . . ثم نقص في التكوين الفطري لهؤلاء المجادلين ، ينشأ عنه تعطل في الوظائف الأساسية للكينونة البشرية . . كما يقع للأمساخ من المخلوقات « 1 » . . ! ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضا - لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود اللّه - إذ كان الجدال في وجوده تعالى سخفا لا يستحق من جدية القرآن العناية به - إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد ، كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد اللّه سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها ؛ وعبادته وحده بلا شريك . .
مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضا - تقذف في وجوه الذين يجادلون في اللّه - سبحانه - بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المراء . وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان ! « جوليان هاكسلي » مؤلف كتاب : « الإنسان يقوم وحده » وكتاب « الإنسان في العالم الحديث » « 2 » من هؤلاء المتبجحين المستهترين ؛ وهو يقذف بالمقررات التي لا سند لها إلا هواه وهو يقول في كتاب « الإنسان في العالم الحديث » ؛ في فصل : « الدين كمسألة موضوعية » ذلك الكلام ! « ولقد أوصلنا تقدم العلوم والمنطق وعلم النفس إلى طور أصبح فيه الإله فرضا عديم الفائدة ، وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا ، حتى اختفى كحاكم مدبر للكون ، وأصبح مجرد « أول سبب » أو أساسا عاما غامضا » .
و « ول ديورانت » مؤلف كتاب « مباهج الفلسفة » « 3 » يقول : إن الفلسفة تبحث عن اللّه ، ولكنه ليس « إله اللاهوتيين الذين يتصورونه خارج عالم الطبيعة . بل إله الفلاسفة ؛ وهو قانون العالم وهيكله ، وحياته ومشيئته » . . وهو كلام لا تستطيع إمساكه ! ولكنه كلام يقال ! ونحن لا نحاكم هؤلاء الخاطبين في الظلام إلى قرآننا ، ولا نحاكمهم كذلك إلى عقولنا المنضبطة بهدى هذا القرآن . إنما نكلهم إلى أندادهم من « العلماء » وإلى العلم البشري الذي يواجه هذه القضية بشيء من الجد والتعقل . .
يقول جون كليفلاند كوتران : ( من علماء الكيمياء والرياضة . دكتوراه من جامعة كورنيل . رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث ) . من مقال : « النتيجة الحتمية » من كتاب : « اللّه يتجلى في عصر العلم » :
« فهل يتصور عاقل ، أو يفكر ، أو يعتقد ، أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة ؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ، ثم فرضته على نفسها ؟ لا شك أن الجواب سوف يكون سلبيا . بل إن المادة عندما تتحول إلى طاقة أو تتحول الطاقة إلى مادة ، فإن كل ذلك يتم طبقا لقوانين معينة . والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة التي وجدت قبلها .
« وتدلنا الكيميا على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء ؛ ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة . وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية . ومعنى ذلك أيضا أنها ليست أزلية . إذ أن لها بداية .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « ألوهية وعبودية » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني « دار الشروق » .
( 2 ) عالم أحياء انجليزي معاصر من المشتغلين بالداروينية الحديثة .
( 3 ) متفلسف أمريكي معاصر .