تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1161

مساهمون:

ص١١٦١
ودور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر ، ويعرفه الجاهل والعالم . . ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة . فقد شارك الماء ابتداء - بتقدير اللّه - في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات ( إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهبا ، ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع . ثم تم ذلك بتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة ) ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة ، وذلك بإسقاط ( النتروجين - الأزوت ) من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية ، التي تقع في الجو ، النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر ، ليعيد الخصوبة إلى الأرض . . وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه ، فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة ! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة !
« فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً . وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ . وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ . وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ »
. . وكل نبت يبدأ أخضر . واللفظ « خضر » أرق ظلا ، وأعمق ألفة من لفظ « أخضر » . . هذا النبت الخضر
« نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً »
. . كالسنابل وأمثالها .
« وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ »
. . وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير . وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر . ولفظة « قنوان » ووصفها « دانية » يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف . وظل المشهد كله ظل وديع حبيب . .
« وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ »
. .
« وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ »
. هذا النبات كله بفصائله وسلالاته -
« مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ »
-
« انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ »
. . انظروا بالحس البصير ، والقلب اليقظ . . انظروا إليه في ازدهاره ، وازدهائه ، عند كمال نضجه . انظروا إليه واستمتعوا بجماله . . لا يقول هنا ، كلوا من ثمره إذا أثمر ، ولكن يقول :
« انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ »
لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع ، كما أنه مجال تدبر في آيات اللّه ، وبدائع صنعته في مجالي الحياة « 1 » .
« إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. . فالإيمان هو الذي يفتح القلب ، وينير البصيرة ، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة ، ويصل الكائن الإنساني بالوجود ، ويدعو الوجدان إلى الإيمان باللّه خالق الجميع . . وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة ، وبصائر مطموسة ، وفطرا منتكسة ، تمر بهذا الإبداع كله ، وبهذه الآيات كلها ، فلا تحس بها ولا تستجيب . .
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ »
، وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون ! وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع ؛ وقد عرض على القلب البشري صفحة الوجود الحافلة بدلائل وجود اللّه ، ووحدانيته ، وقدرته ، وتدبيره ، وقد غمر الوجدان بتلك الظلال الكونية الموحية ، وقد وصل الضمير بقلب الوجود النابض في كل حي ، الناطق ببديع صنع الخلاق . . عندما يبلغ إلى هذا المقطع يعرض شرك المشركين ، فإذا هو غريب غريب في هذا الجو المؤمن الموصول بمبدع الوجود . ويعرض أوهام المشركين فإذا هي سخف تشمئز منه القلوب والعقول . وسرعان ما يعقب عليها بالاستنكار . والجو كله مهيأ للاستنكار :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ - وَخَلَقَهُمْ - وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ . سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ! بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ؟ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع فصل « الطبيعة في القرآن » في كتاب : « منهج الفن الإسلامي » لمحمد قطب . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1161 | سيد قطب