تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1117

مساهمون:

ص١١١٧
ونضرب بعض الأمثال . . 1 - في قاعدة بناء الكون وسلوكه : الذرة - فيما يقول العلم الحديث - قاعدة بناء الكون . وليست هي أصغر وحدة في بناء هذا العالم . فهي مؤلفة من بروتونات ( طاقة كهربية موجبة ) والكترونات ( طاقة كهربية سالبة ) ونيوترونات ( طاقة محايدة مكونة من طاقة كهربائية موجبة وطاقة كهربائية سالبة متعادلتين ساكنتين ) وحين تحطم الذرة تتحرر الكهارب ( الإلكترونات ) ولكنها لا تسلك في المعمل سلوكا حتميا موحدا . فهي تسلك مرة كأنها أمواج ضوئية ومرة كأنها قذائف . ولا يمكن تحديد سلوكها المقبل مقدما . وإنما هي تخضع لقانون آخر - غير الحتمية - هو قانون الاحتمالات . وكذلك تسلك الذرة نفسها ، والمجموعة المحدودة من الذرات ( في صورة جزئيات ) هذا السلوك . يقول سير جيمس جينز - الإنجليزي - الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات : « لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق ، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا : وهو الطريق الذي رسم من قبل ، لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته ، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول ، وألا مناص من أن الحالة ( ا ) تتبعها الحالة ( ب ) أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو : أن الحالة ( ا ) يحتمل أن تتبعها ( ب ) أو ( ج ) أو ( د ) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر . نعم إن في استطاعته أن يقول : إن حدوث الحالة ( ب ) أكثر احتمالا من حدوث الحالة ( ج ) وإن الحالة ( ج ) أكثر احتمالا من الحالة ( د ) . . وهكذا . بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات ( ب ) و ( ج ) و ( د ) بعضها بالنسبة إلى بعض . ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين : أي الحالات تتبع الأخرى . لأنه يتحدث دائما عما يحتمل . أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار - مهما تكن حقيقة هذه الأقدار ! » . فما ذا يكون « الغيب » وما ذا يكون قدر اللّه المغيب عن علم الإنسان ، إن لم يكن هو هذا الذي تنتهي إليه تجارب العلم الإنساني ، وتقف على عتباته في صلب الكون وذراته ؟ ويضرب مثلا لذلك إشعاع ذرات الراديوم ، وتحولها إلى رصاص وهليوم . . وهي خاضعة تماما لقدر مجهول ، وغيب مستور ، يقف دونه علم الإنسان : « ولنضرب لذلك مثلا ماديا يزيده وضوحا : من المعروف أن ذرات الراديوم وغيره من المواد ذات النشاط الإشعاعي ، تتفكك بمجرد مرور الزمن عليها ، وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم . ولهذا فإن كتلة من الراديوم ينقص حجمها باستمرار ، ويحل مكانها رصاص وهليوم . والقانون العام الذي يتحكم في معدل التناقص غريب غاية الغرابة . ذلك أن كمية من الراديوم تنقص بنفس الطريقة التي ينقص بها عدد من السكان ، إذا لم تجد عليهم مواليد ، وكانت نسبة تعرض كل منهم للوفاة واحدة بغض النظر عن السن ؛ أو أنها تنقص كما ينقص عدد أفراد كتيبة من الجند معرضين لنيران ترسل عليهم اعتباطا ، ومن غير أن يكون أحدهم مقصودا لذاته . ومجمل القول إنه ليس لكبر السن أثر ما في ذرة الراديوم الواحدة . فإنها لا تموت لأنها قد استوفت حظها من الحياة ، بل لأن المنية قد أصابتها خبط عشواء « 1 » .
هامش
( 1 ) هكذا يقول الرجل . . ونحن نأخذ من قوله النتيجة العلمية التي وصلت إليها التجربة ووصف الظاهرة الطبيعية . أما تعبيره بأنها خبط عشواء فلا يهمنا ! فنحن نعلم أنها قد استوفت حظها ، وأن المنية أصابتها بقدر من اللّه يعلم هو حكمته . وأنه « لكل أجل كتاب » لا فرق بين ذرة الراديوم وأي شيء وأي حي من الأحياء . والناس هكذا يموتون عند استيفاء الأجل المغيب عن العيون !