والحذف ، وليست نهائية . وإننا لنرى أن العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول : إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن ، ويترك الباب مفتوحا لما قد يستجد من التعديلات » « 1 » .
وهذه الكلمة تلخص حقيقة جميع النتائج التي وصل إليها العلم ، والتي يمكن أن يصل إليها كذلك ، فطالما أن « الإنسان » بوسائله المحدودة ، بل بوجوده المحدود بالقياس إلى الأزل والأبد هو الذي يحاول الوصول إلى هذه النتائج ؛ فإنه من الحتم أن تكون مطبوعة بطابع هذا الإنسان ، ولها مثل خصائصه من كونها محدودة المدى ؛ وقابلة للخطإ والصواب ، والتعديل والتبديل . .
على أن الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى أية نتيجة هي التجربة والقياس . فهو يجرب ، ثم يعمم النتيجة التي يصل إليها عن طريق القياس ؛ والقياس - باعتراف العلم وأهله - وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية ؛ ولا يمكن أبدا أن تكون قطعية ولا نهائية . والوسيلة الأخرى - وهي التجربة والاستقصاء بمعنى تعميم التجربة على كل ما هو من جنس ما وقعت عليه التجارب في جميع الأزمنة وفي جميع الظروف - وسيلة غير مهيأة للإنسان .
وهي إحدى الوسائل الموصلة إلى نتائج قطعية . ولا سبيل إلى نتيجة قطعية وحقيقة يقينية إلا عن طريق هدى اللّه الذي يبينه للناس . ومن ثم يبقى علم الإنسان فيما وراء ما قرره اللّه له ، علما ظنيا لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال ! على أن « الغيب » ضارب حول الإنسان فيما وراء ما يصل إليه علمه الظني ذاك . . .
هذا الكون من حوله . . إنه ما يزال يضرب في الفروض والنظريات حول مصدره ونشأته وطبيعته وحول حركته ، وحول « الزمان » ما هو وحول « المكان » وارتباطه بالزمان وارتباط ما يجري في الكون بالزمان والمكان .
والحياة . ومصدرها . ونشأتها . وطبيعتها . وخط سيرها . والمؤثرات فيها . وارتباطها بهذا الوجود « المادي » ! إن كان هناك في الكون مادة على الإطلاق ذات طبيعة غير طبيعة « الفكر » وغير طبيعة الطاقة على العموم ! « والإنسان » ما هو ؟ ما الذي يميزه من المادة ؟ وما الذي يميزه عن بقية الأحياء ؟ وكيف جاء إلى هذه الأرض وكيف يتصرف ؟ وما « العقل » الذي يتميز به ويتصرف ؟ وما مصيره بعد الموت والانحلال ؟ . .
بل هذا الكيان الإنساني ذاته ، ما الذي يجري في داخله من تحليل وتركيب في كل لحظة ؟ وكيف يجري ؟ « 2 » . .
إنها كلها ميادين للغيب ، يقف العلم على حافاتها ، ولا يكاد يقتحمها ، حتى على سبيل الظن والترجيح .
وإن هي إلا فروض واحتمالات ! ولندع ما لا يشغل العلم به نفسه - إلا قليلا في هذا القرن - من حقيقة الألوهية ، وحقيقة العوالم الأخرى من ملائكة وجن وخلق لا يعلمه إلا اللّه . ومن حقيقة الموت ، وحقيقة الآخرة . وحقيقة الحساب والجزاء . .
لندع هذا كله لحظة ففي « الغيب » القريب ، الكفاية ، ومن هذا الغيب يقف العلم وقفة التسليم ، الذي لا يخرج عنه إلا من يؤثرون المراء على « العلم » والتبجح على الإخلاص !
هامش
( 1 ) من مقال : « درس من شجيرة الورد » لماريت ستانلي كونجدن ، العالم الطبيعي الفيلسوف . . عن كتاب : « اللّه يتجلى في عصر العلم » ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان .
( 2 ) « الإنسان ذلك المجهول » لأليكسيس كاريل .