تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1114

مساهمون:

ص١١١٤
من طاقته ومن حاجته . وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم اللّه إياه - إلا ظنا ، وأن الظن لا يغني من الحق شيئا . . كما يقرر - سبحانه - أن اللّه قد خلق هذا الكون ، وجعل له سننا لا تتبدل ؛ وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها ؛ ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق . . دون أن يخل هذا الكشف عن سنن اللّه التي لا تبديل لها ، بحقيقة « الغيب » المجهول للإنسان ، والذي سيظل كذلك مجهولا ، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة اللّه وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من اللّه ، ينشئ هذا الحدث ويبرزه للوجود . . في تناسق تام في العقيدة الإسلامية ، وفي تصور المسلم الناشئ من حقائق العقيدة . . فهذه الحقائق بجملتها - على هذا النحو المتعدد الجوانب المتناسق المتكامل - تحتاج منا هنا - في الظلال - إلى كلمة نحاول بقدر الإمكان أن تكون مجملة ، وألا تخرج عن حدود المنهج الذي اتبعناه في الظلال أيضا « 1 » . إن اللّه سبحانه يصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب ؛ فيجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية :
« ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
. . ( البقرة : 1 - 5 ) . والإيمان باللّه - سبحانه - هو إيمان بالغيب . فذات اللّه - سبحانه - غيب بالقياس إلى البشر ؛ فإذا آمنوا به فإنما يؤمنون بغيب ، يجدون آثار فعله ، ولا يدركون ذاته ، ولا كيفيات أفعاله . والإيمان بالآخرة كذلك ، هو إيمان بالغيب . فالساعة بالقياس إلى البشر غيب ، وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن ، تصديقا لخبر اللّه سبحانه . والغيب الذي يتحقق الإيمان بالتصديق به يشمل حقائق أخرى يذكرها القرآن الكريم في وصف واقع المؤمنين وعقيدتهم الشاملة :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ . كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . وَقالُوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . غُفْرانَكَ رَبَّنا ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
. . ( البقرة : 285 ) . فنجد في هذا النص أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين كذلك ، كلٌّ آمن باللّه - وهو غيب - وآمن بما أنزل اللّه على رسوله - وما أنزل اللّه على رسوله فيه جانب من اطلاعه - صلى اللّه عليه وسلم - على جانب من الغيب بالقدر الذي قدره اللّه - سبحانه - كما قال في الآية الأخرى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
. . ( الجن : 26 - 27 ) . وآمن بالملائكة - وهي غيب - لا يعرف عنه البشر إلا ما يخبرهم به اللّه ، على قدر طاقتهم وحاجتهم « 2 » . ويبقى من الغيب الذي لذا لا يقوم الإيمان إلا بالتصديق به : قدر اللّه - وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع - كما جاء في حديث الإيمان : « . . . والقدر خيره وشره » . . . ( أخرجه الشيخان ) . . على أن الغيب في هذا الوجود يحيط بالإنسان من كل جانب . . غيب في الماضي وغيب في الحاضر ، وغيب
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » بقسميه . « دار الشروق » . ( 2 ) يراجع ما جاء عن الملائكة في هذا الجزء ص 1039 - 1042