تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1115

مساهمون:

ص١١١٥
في المستقبل . . غيب في نفسه وفي كيانه ، وغيب في الكون كله من حوله . . غيب في نشأة هذا الكون وخط سيره ، وغيب في طبيعته وحركته . . غيب في نشأة الحياة وخط سيرها ، وغيب في طبيعتها وحركتها . . غيب فيما يجهله الإنسان ، وغيب فيما يعرفه كذلك ! ويسبح الإنسان في بحر من المجهول . . حتى ليجهل اللحظة ما يجري في كيانه هو ذاته فضلا على ما يجري حوله في كيان الكون كله ؛ وفضلا عما يجري بعد اللحظة الحاضرة له وللكون كله من حوله : ولكل ذرة ، وكل كهرب من ذرة ؛ وكل خلية وكل جزئي من خلية ! إنه الغيب . . إنه المجهول . . والعقل البشري - تلك الذبالة القريبة المدى - إنما يسبح في بحر المجهول . فلا يقف إلا على جزر طافية هنا وهنالك يتخذ منها معالم في الخضم . ولولا عون اللّه له ، وتسخير هذا الكون ، وتعليمه هو بعض نواميسه ، ما استطاع شيئا . . ولكنه لا يشكر . .
« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
. . بل إنه في هذه الأيام ليتبجح بما كشف اللّه له من السنن ، وبما آتاه من العلم القليل . . يتبجح فيزعم أحيانا أن « الإنسان يقوم وحده » « 1 » ولم يعد في حاجة إلى إله يعينه ! ويتبجح أحيانا فيزعم أن « العلم » يقابل « الغيب » وأن « العلمية » في التفكير والتنظيم تقابل « الغيبية » وأنه لا لقاء بين العلم والغيب ؛ كما أنه لا لقاء بين العقلية العلمية والعقلية الغيبية ! فلنلق نظرة على وقفة « العلم » أمام « الغيب » . . في بحوث وأقوال « العلماء » من بني البشر أنفسهم - بعد أن نقف أمام كلمة الفصل التي قالها العليم الخبير عن علم الإنسان القليل -
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
. . . ( الإسراء : 85 )
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى »
. . ( النجم : 29 ) وأن الغيب كله للّه :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
. . . ( الأنعام : 59 ) وأن الذي يعلم الغيب هو الذي يرى :
« أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ؟ »
. . ( النجم : 35 ) . . . وهي ناطقة بذاتها عن مدلولاتها . . فلنلق نظرة على وقفة « العلم » أمام « الغيب » في بحوث وأقوال العلماء من بني الإنسان لا لنصدق بها كلمة الفصل من اللّه سبحانه - فحاشا للمؤمن أن يصدق قول اللّه بقول البشر - ولكننا نقف هذه الوقفة لنحاكم الذين يلوكون كلمات العلم والغيب ، والعلمية والغيبية ، إلى ما يؤمنون هم به من قول البشر ! ليعلموا أن عليهم هم أن يحاولوا « الثقافة » و « المعرفة » ليعيشوا في زمانهم ؛ ولا يكونوا متخلفين عن عقليته ومقررات تجاربه ! وليستيقنوا أن « الغيب » هو الحقيقة « العلمية » الوحيدة المستيقنة من وراء كل التجارب والبحوث والعلم الإنساني ذاته ! وأن « العلمية » في ضوء التجارب والنتائج الأخيرة مرادفة تماما « للغيبية » . . أما الذي يقابل الغيبية حقا فهو « الجهلية » ! ! ! الجهلية التي تعيش في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر - ربما - ولكنها لا تعيش في القرن العشرين ! ! ! عالم معاصر - من أمريكا - يقول عن « الحقائق » التي يصل إليها « العلم » بجملتها : « إن العلوم حقائق مختبرة ؛ ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته . ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود . فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ . وهي تبدأ بالاحتمالات ، وتنتهي بالاحتمالات كذلك . . وليس باليقين . . ونتائج العلوم بذلك تقريبية ، وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات ؛ ونتائجها اجتهادية ، وقابلة للتعديل بالإضافة
هامش
( 1 ) عنوان كتاب للملحد جوليان هاكسلي :manstandsalone