تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1120

مساهمون:

ص١١٢٠
وإلى جانب هذه السنن الثابتة - في عمومها - مشيئة اللّه الطليقة ؛ لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها . وهناك قدر اللّه الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها . فهي ليست آلية بحتة ، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها ؛ وإن جرت وفق السنة التي أودعها اللّه إياها . وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها « غيب » لا يعلمه أحد علم يقين ؛ وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و « الاحتمالات » . . وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضا . . وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة ؛ وكلها « غيب » بالقياس إليه ، وهي تجري في كيانه ! ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله ؛ وهو لا يعلمها ! وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون . وحاضره وحاضر الكون . ومستقبله ومستقبل الكون . . وذلك مع وجود السنن الثابتة ، التي يعرف بعضها ، وينتفع بها انتفاعا علميا منظما في النهوض بعبء الخلافة . وإن « الإنسان » ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه ! وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله ! . . وكذلك كل شيء حي . . ومهما تعلم ومهما عرف ، فإن هذا لن يغير من هذا الواقع شيئا ! إن العقلية الإسلامية عقلية « غيبية علمية » لأن « الغيبية » هي « العلمية » بشهادة « العلم » والواقع . . أما التنكر للغيب فهو « الجهلية » التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة ! وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا اللّه ؛ وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل ، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض ، والتعامل معها على قواعد ثابتة . . فلا يفوت المسلم « العلم » البشري في مجاله ، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة ؛ وهي أن هنالك غيبا لا يطلع اللّه عليه أحدا ، إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء . . والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها « الفرد » فيتجاوز مرتبة « الحيوان » الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه ، إلى مرتبة « الإنسان » الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ، ولحقيقة وجوده الذاتي ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ؛ وفي إحساسه بالكون ، وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض . فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ؛ ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود ؛ وأن وراء الكون . . ظاهره وخافيه . . حقيقة أكبر من الكون ، هي التي صدر عنها ، واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ، ولا تحيط بها العقول . . . . « لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان - يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى . . إلى عالم البهيمة ، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا « تقدمية » ! وهو النكسة التي وقى اللّه المؤمنين إياها . فجعل صفتهم المميزة هي صفة :
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
. . . والحمد للّه على نعمائه ؛ والنكسة للمنتكسين والمرتكسين » « 1 » .
هامش
( 1 ) عن الجزء الأول من ظلال القرآن من 39 - 40 .