تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1113

مساهمون:

ص١١١٣
في أطواء الأرض جميعا ، والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعا . . إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري ؛ وكذلك لا تلحظه العين البشرية ؛ ولا تلم به النظرة البشرية . . إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم اللّه وحده ؛ المشرف على كل شيء ، المحيط بكل شيء . . الحافظ لكل شيء ، الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شيء . . الصغير كالكبير ، والحقير كالجليل ، والمخبوء كالظاهر ، والمجهول كالمعلوم ، والبعيد كالقريب . . والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيدا حدود التصور البشري ، وحدود التعبير البشري أيضا . ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد ، لا يخطر على القلب البشري ؛ كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضا . . والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله ، ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلا ! وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم . . كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع الفني في التعبير ذاته ، فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر ، على هذا المستوي السامق :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
. . آماد وآفاق وأغوار في « المجهول » المطلق . في الزمان والمكان ، وفي الماضي والحاضر والمستقبل ، وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان . .
« وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ »
. . آماد وآفاق وأغوار في « المنظور » ، على استواء وسعة وشمول . . تناسب في عالم الشهود المشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب .
« وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها »
. . حركة الموت والفناء ؛ وحركة السقوط والانحدار ، من علو إلى سفل ، ومن حياة إلى اندثار .
« وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ »
. . حركة البزوغ والنماء ، المنبثقة من الغور إلى السطح ، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق .
« وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
. . التعميم الشامل ، الذي يشمل الحياة والموت ، والازدهار والذبول ؛ في كل حي على الإطلاق . . فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق ؟ ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال ؟ . . من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك كله ، في مثل هذا النص القصير . . من ؟ إلا اللّه ! ثم نقف أمام قوله تعالى :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
. . نقف لنقول كلمة عن « الغيب » و « مفاتحه » واختصاص اللّه - سبحانه - « بالعلم » بها . . ذلك أن حقيقة الغيب من « مقومات التصور الإسلامي » الأساسية ؛ لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية الأساسية ؛ ومن قواعد « الإيمان » الرئيسية . . وذلك أن كلمات « الغيب » و « الغيبية » تلاك في هذه الأيام كثيرا - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل « العلم » و « العلمية » . . والقرآن الكريم يقرر أن هناك « غيبا » لا يعلم « مفاتحه » إلا اللّه . ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل . . وهذا القليل إنما آتاه اللّه له بقدر ما يعلم هو - سبحانه -
في ظلال القرآن — صفحة 1113 | سيد قطب