تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1110

مساهمون:

ص١١١٠
يستوقف النظر . فكلمة الذين تطلق على العقلاء . ولو كان المقصود هي الأوثان ، والأصنام ، وما إليها لعبر ب « ما » بدل « الذين » . . فلا بد أن يكون المقصود بالذين نوعا آخر - مع الأصنام والأوثان وما إليها - نوعا من العقلاء الذين يعبر عنهم بالاسم الموصول : « الذين » فغلب العقلاء ، ووصف الجميع بوصف العقلاء . . وهذا الفهم يتفق مع الواقع من جهة ؛ ومع المصطلحات الإسلامية في هذا المقام من جهة : فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون باللّه الأصنام والأوثان وحدها . ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس . . وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع وللأفراد . حيث يسنون لهم السنن ، ويضعون لهم التقاليد ؛ ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي . . وهنا نصل إلى جهة المصطلحات الإسلامية . . فالإسلام يعتبر هذا شركا ؛ ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم ؛ وجعلهم أندادا من دون اللّه . . وينهى اللّه عنه نهيه عن السجود للأصنام والأوثان ؛ فكلاهما في عرف الإسلام سواء . . شرك باللّه ، ودعوة أنداد من دون اللّه ! ثم يجيء الإيقاع الثاني موصولا بالإيقاع الأول ومتمما له :
« قُلْ : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ؛ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، يَقُصُّ الْحَقَّ ، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ »
. . وهو أمر من اللّه - سبحانه - لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ ، والدليل الداخلي البين ، والإحساس الوجداني العميق ، بربه . . ووجوده ، ووحدانيته ، ووحيه إليه . وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم ، وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريبا منه : قالها نوح - عليه السّلام - :
« قالَ : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ؟ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ؟ »
. . وقالها صالح - عليه السّلام - :
« قالَ : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ »
. . وقالها إبراهيم - عليه السّلام - :
« وَحاجَّهُ قَوْمُهُ . قالَ : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ ؟ »
. . وقالها يعقوب - عليه السّلام - لبنيه :
« فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً . قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ : إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ »
. . فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه ؛ ممن يتجلى اللّه لهم في قلوبهم ؛ فيجدونه - سبحانه - حاضرا فيها ؛ ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها . وهي الحقيقة التي يأمر اللّه نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين ؛ الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه ، الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه :
« قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ »
. . كذلك كانوا يطلبون أن ينزل عليهم خارقة أو ينزل بهم العذاب ، ليصدقوا أنه جاءهم من عند اللّه . . وكان يؤمر أن يعلن لهم حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ وأن يفرق فرقانا كاملا بينها وبين حقيقة الألوهية ؛ وأن يجهر بأنه لا يملك هذا الذي يستعجلونه ؛ فالذي يملكه هو اللّه وحده ؛ وهو ليس إلها ، إنما هو رسول :