« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ هادُوا ، وَالصَّابِئُونَ ، وَالنَّصارى . . مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً . . فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. .
والذين آمنوا هم المسلمون . والذين هادوا هم اليهود . والصابئون هم في الغالب تلك الفئة التي تركت عبادة الأوثان قبل بعثة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعبدت اللّه وحده على غير نحلة معينة ، ومنهم من العرب أفراد معدودون . والنصارى هم أتباع المسيح - عليه السّلام .
والآية تقرر أنه أيا كانت النحلة ، فإن من آمنوا باللّه واليوم الآخر وعملوا صالحا - ومفهوم ضمنا في هذا الموضع ، وتصريحا في مواضع أخرى أنهم فعلوا ذلك على حسب ما جاء به الرسول الأخير - فقد نجوا :
« فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. . ولا عليهم مما كانوا فيه قبل ذلك ؛ ولا مما يحملون من أسماء وعنوانات . .
فالمهم هو العنوان الأخير . .
وهذا الذي نقرر أنه مفهوم من الآية ضمنا يعتبر من « المعلوم من الدين بالضرورة » . فمن بديهيات هذه العقيدة ، أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - هو خاتم النبيين ، وأنه أرسل إلى البشر كافة ، وأن الناس جميعا - على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم واعتقاداتهم وأجناسهم وأوطانهم - مدعوون إلى الإيمان بما جاء به ، وفق ما جاء به ؛ في عمومه وفي تفصيلاته . وأن من لا يؤمن به رسولا ، ولا يؤمن بما جاء به إجمالا وتفصيلا ، فهو ضال لا يقبل اللّه منه ما كان عليه من دين قبل هذا الدين ، ولا يدخل في مضمون قوله تعالى :
« فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
.
وهذه هي الحقيقة الأساسية « المعلومة من الدين بالضرورة » التي لا يجوز للمسلم الحق أن يجمجم فيها أو يتمتم ؛ أمام ضخامة الواقع الجاهلي الذي تعيش فيه البشرية . والتي لا يجوز للمسلم أن يغفلها في إقامة علاقاته بأهل الأرض قاطبة ؛ من أصحاب الملل والنحل . فلا يحمله ضغط الواقع الجاهلي على اعتبار أحد من أصحاب هذه الملل والنحل على « دين » يرضاه اللّه ؛ ويصلح أن يتناصر معه فيه ويتولاه ! إنما اللّه هو الولي
« وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ »
مهما تكن ظواهر الأمور . . ومن آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا - على أساس هذا الدين الذي هو وحده الدين - فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . . لا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة . . لا خوف عليهم من قوى الباطل والجاهلية المتراكمة . ولا خوف عليهم من أنفسهم المؤمنة العاملة الصالحة . . ولا هم يحزنون . . .
بعد ذلك يأخذ السياق في عرض طرف من تاريخ بني إسرائيل - اليهود - يتجلى فيه كيف أنهم ليسوا على شيء ؛ ويتبين معه ضرورة تبليغهم الدعوة ، ومخاطبتهم بالإسلام ، ليأووا منه إلى دين اللّه . ثم لتتبين حقيقتهم التي لم تتغير ؛ وتنكشف للمسلمين هذه الحقيقة ، فتسقط في أعينهم قيمة يهود ، وتنفر قلوبهم من الولاء لهم والتناصر معهم ، وهم على مثل هذه الحال في أمر الحق والدين :
« لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا . كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ : فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ . وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ . فَعَمُوا وَصَمُّوا ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا - كَثِيرٌ مِنْهُمْ - وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
. .
إنه تاريخ قديم ! فليس موقفهم من رسول الإسلام - صلى اللّه عليه وسلم - بالأول ولا بالأخير ! إنهم مردوا على العصيان والإعراض ؛ ومردوا على النكول عن ميثاق اللّه ؛ ومردوا على اتخاذ هواهم إلههم لا