تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 940

مساهمون:

ص٩٤٠
نجد أن اللّه - سبحانه - يقرر أن أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم . . وحتى يدخلوا في الدين الأخير تبعا لهذه الإقامة كما هو بديهي من دعوتهم إلى الإيمان باللّه والنبي . في المواضع الأخرى المتعددة . . فهم إذن لم يعودوا على « دين اللّه » ولم يعودوا أهل « دين » يقبله اللّه . ونجد أن مواجهتهم بهذه الحقيقة قد علم اللّه أنها ستزيد الكثيرين منهم طغيانا وكفرا . . ومع هذا فقد أمر رسوله أن يواجههم بها دون مواربة . ودون أسى على ما سيصيب الكثيرين منها ! فإذا نحن اعتبرنا كلمة اللّه في هذه القضية هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم يبق هنالك موضع لاعتبار أهل الكتاب . . أهل دين . . يستطيع « المسلم » أن يتناصر معهم فيه للوقوف في وجه الإلحاد والملحدين ؛ كما ينادي بعض المخدوعين وبعض الخادعين ! فأهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ؛ حتى يعتبرهم المسلم « على شيء » وليس للمسلم أن يقرر غير ما قرره اللّه :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ »
. . وكلمة اللّه باقية لا تغيرها الملابسات والظروف ! وإذا نحن اعتبرنا كلمة اللّه هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم يكن لنا أن نحسب حسابا لأثر المواجهة لأهل الكتاب بهذه الحقيقة ، في هياجهم علينا ، وفي اشتداد حربهم لنا ، ولم يكن لنا أن نحاول كسب مودتهم بالاعتراف لهم بأنهم على دين نرضاه منهم ونقرهم عليه ، ونتناصر نحن وإياهم لدفع الإلحاد عنه - كما ندفع الإلحاد عن ديننا الذي هو الدين الوحيد الذي يقبله اللّه من الناس . . إن اللّه - سبحانه - لا يوجهنا هذا التوجيه . ولا يقبل منا هذا الاعتراف . ولا يغفر لنا هذا التناصر . ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه . لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما يقرر ؛ ونختار في أمرنا غير ما يختار ؛ ونعترف بعقائد محرفة أنها « دين » إلهي ، يجتمع معنا في آصرة الدين الإلهي . . واللّه يقول : إنهم ليسوا على شيء ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم . . وهم لا يفعلون ! والذين يقولون : إنهم مسلمون - ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم - هم كأهل الكتاب هؤلاء . ليسوا على شيء كذلك . فهذه كلمة اللّه عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء . والذي يريد أن يكون مسلما يجب عليه - بعد إقامة كتاب اللّه في نفسه وفي حياته - أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه . وأن دعواهم أنهم على دين ، يردها عليهم رب الدين . فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة ؛ ودعوتهم إلى « الإسلام » من جديد هي واجب « المسلم » الذي أقام كتاب اللّه في نفسه وفي حياته . فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاما ، ولا تحقق إيمانا ، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين اللّه ، في أي ملة ، وفي أي زمان ! وبعد أن يستجيب هؤلاء أو أولئك ؛ ويقيموا كتاب اللّه في حياتهم ؛ يملك « المسلم » أن يتناصر معهم في دفع غائلة الإلحاد والملحدين ، عن « الدين » وعن « المتدينين » . . فأما قبل ذلك فهو عبث ؛ وهو تمييع ، يقوم به خادع أو مخدوع ! إن دين اللّه ليس راية ولا شعارا ولا وراثة ! إن دين اللّه حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء . تتمثل في عقيدة تعمر القلب ، وشعائر تقام للتعبد ، ونظام يصرف الحياة . . ولا يقوم دين اللّه إلا في هذا الكل المتكامل ؛ ولا يكون الناس على دين اللّه إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم . . وكل اعتبار