تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
وحينما كلف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان . . بل ليسوا على شيء أصلا يرتكن عليه ! حينما كلف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة ، كانوا يتلون كتبهم ؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية ؛ وكانوا يقولون : إنهم مؤمنون . . ولكن التبليغ الذي كلف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجههم به ، لم يعترف لهم بشيء أصلا مما كانوا يزعمون لأنفسهم ، لأن « الدين » ، ليس كلمات تقال باللسان ؛ وليس كتبا تقرأ وترتل ؛ وليس صفة تورث وتدعى . إنما الدين منهج حياة . منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير ، والعبادة الممثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج . . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف « الرسول » - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين ؛ وليسوا على شيء أصلا من هذا القبيل ! وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، مقتضاها الأول الدخول في دين اللّه الذي جاء به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فقد أخذ اللّه عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه . وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر اللّه وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم : ( سواء كان المقصود بقوله :
« وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ »
هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود ) . . نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد ، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه . . فهم ليسوا على شيء - بشهادة اللّه سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الأخير . . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم ؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم ؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه . . ويا له من تهديد ! وكان اللّه - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ، وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرا منهم طغيانا وكفرا ، وعنادا ولجاجا . . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجههم بها ؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والضلال والشرود بسبب مواجهتهم بها ؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق ؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق . فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة :
« وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
. . وكان اللّه - سبحانه - يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة ؛ ويطلعه على حكمة اللّه في هذا المنهج ؛ ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون ، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغيانا وكفرا ؛ فهم يستحقون هذا المصير البائس ؛ لأن قلوبهم لا تطيق كلمة الحق ؛ ولا خير في أعماقها ولا صدق . فمن حكمة اللّه أن تواجه بكلمة الحق ؛ ليظهر ما كمن فيها وما بطن ؛ ولتجهر بالطغيان والكفر ؛ ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين ! ونعود إلى قضية الولاء والتناصر والتعاون بين المسلمين وأهل الكتاب - على ضوء هذا التبليغ الذي كلفه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى ضوء نتائجه التي قدر اللّه أن تكون في زيادة الكثيرين منهم طغيانا وكفرا . . فما ذا نجد . . ؟
في ظلال القرآن — صفحة 939 | سيد قطب