دين اللّه ، ولا هدى الرسل ؛ ومردوا على الإثم والعدوان على دعاة الحق وحملة دعوة اللّه :
« لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا . كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ »
. .
وسجل بني إسرائيل مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض ؛ حافل بالقتل والاعتداء ! حافل بتحكيم الشهوات والأهواء .
ولعله من أجل ذلك قص اللّه تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل . . لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل ؛ ولعلها تحذر مزالق الطريق ، أو لعل الواعين منها الموصولين باللّه يدركون هذه المزالق ؛ أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل ، حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ؛ فتحكم الهوى ؛ وترفض الهدى ، وتكذب فريقا من الدعاة إلى الحق ، وتقتل فريقا ؛ كما صنع بغاة بني إسرائيل ، في تاريخهم الطويل ! لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها ؛ وهم يحسبون أن اللّه لن يفتنهم بالبلاء ، ولن يأخذهم بالعقاب .
حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة اللّه ؛ وغرورا منهم بأنهم « شعب اللّه المختار » !
« وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا »
. .
طمس اللّه على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئا ؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئا . .
« ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ »
. .
وأدركهم برحمته . . فلم يرعووا ولم ينتفعوا :
« ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا . كَثِيرٌ مِنْهُمْ . . »
« وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
. .
وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم . . وما هم بمفلتين . .
ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود ، وهذا الواقع الجديد ؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم ، كما نفر قلب عبادة بن الصامت ؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبد اللّه بن أبي بن سلول ! ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب . . فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة ؛ وطبيعة الموقف الذي تعالجه . .
ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا : إن اللّه هو المسيح ابن مريم بالكفر . فالآن يكرر هذا الوصف ، سواء لمن قالوا : إن اللّه ثالث ثلاثة ، ومن قالوا : إن اللّه هو المسيح ابن مريم . مع ذكر شهادة عيسى - عليه السّلام - عليهم بالكفر ، وتحذيره لهم من وصف أحد بالألوهية إلا اللّه - سبحانه - واعترافه بأن اللّه هو ربه وربهم على السواء . ثم تحذير اللّه لهم في النهاية من المضي فيما هم عليه من الكفر بسبب هذه المقولات التي لا يقول بها المؤمنون باللّه وبدينه الصحيح :
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَقالَ الْمَسِيحُ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ . إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَمَأْواهُ النَّارُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ