تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 826

مساهمون:

ص٨٢٦
وهذا الأصل الكبير هو الذي يبرز في هذه السورة بروزا واضحا مقررا منصوصا عليه نصا . إلى جانب تصحيح التصور الاعتقادي الذي يقوم عليه هذا الأصل الكبير . . ويحسن أن نصور من سياق النصوص القرآنية في السورة كيف برز هذان الأصلان الكبيران في سياقها كله ، وكيف يقوم هذا على ذاك قياما طبيعيا ومنطقيا . إن السياق القرآني يستند في تقرير أن الحكم بما أنزل اللّه هو « الإسلام » ؛ وأن ما شرعه اللّه للناس من حلال أو حرام هو « الدين » إلى أن اللّه هو « الإله الواحد » لا شريك له في ألوهيته ؛ وإلى أن اللّه هو الخالق الواحد لا شريك له في خلقه . وإلى أن اللّه هو المالك الواحد لا شريك له في ملكه . . ومن ثم يبدو حتميا ومنطقيا ألا يقضى شيء إلا بشرعه وإذنه . فالخالق لكل شيء ، المالك لكل شيء ، هو صاحب الحق ، وصاحب السلطان في تقرير المنهج الذي يرتضيه لملكه ولخلقه . . هو الذي يشرع فيما يملك ؛ وهو الذي يطاع شرعه وينفذ حكمه ؛ وإلا فهو الخروج والمعصية والكفر . . إنه هو الذي يقرر الاعتقاد الصحيح للقلب ؛ كما يقرر النظام الصحيح للحياة سواء بسواء . والمؤمنون به هم الذين يؤمنون بالعقيدة التي يقررها ؛ ويتبعون النظام الذي يرتضيه . هذه كتلك سواء بسواء . وهم يعبدونه بإقامة الشعائر ، ويعبدونه باتباع الشرائع ، بلا تفرقة بين الشعيرة والشريعة ؛ فكلتاهما من عند اللّه ، الذي لا سلطان لأحد في ملكه وعباده معه . بما أنه هو الإله الواحد . المالك الواحد . العليم بما في السماوات والأرض جميعا . . ومن ثم فإن الحكم بشريعة اللّه هو دين كل نبي ؛ لأنه هو دين اللّه ، ولا دين سواه . ومن ثم تتوارد النصوص هكذا في ثنايا السورة ؛ في تقرير الألوهية الواحدة ؛ ونفي كل شرك أو تثليث أو خلط بين ذات اللّه - سبحانه - وبين غيره . أو بين خصائص الألوهية ، وخصائص العبودية على الإطلاق :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ . وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ . وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . قُلْ . فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ! قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ . يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ . يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَقالَ الْمَسِيحُ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ . إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَمَأْواهُ النَّارُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ . وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ . وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . . . »
ولأن اللّه هو وحده الإله ، وهو وحده الخالق ، وهو وحده المالك . . فهو وحده الذي يشرع ، هو وحده الذي يحلل ويحرم ، وهو وحده الذي يطاع فيما يشرع وفيما يحرم أو يحلل . كما أنه هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يتوجه إليه العباد بالشعائر . وقد أخذ الميثاق على عباده بهذا كله ؛ فهو يطالب الذين آمنوا أن يفوا بميثاقهم وتعاقدهم معه ؛ ويحذرهم عواقب نقض الميثاق وخلف العقود ؛ كما وقع من بني إسرائيل قبلهم :