لشريعة اللّه ، وتقريرا لسلطانه في الأرض .
ومن هذه الحتمية ينشأ الحكم الذي تقرره الآيات في سياق السورة :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
. .
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. .
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
. . ذلك أن الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه يعلنون رفضهم لألوهية اللّه - سبحانه - ورفضهم لإفراد اللّه - سبحانه - بهذه الألوهية . يعلنون هذا الرفض بعملهم وواقعهم ؛ ولو لم يعلنوه بأفواههم وألسنتهم . ولغة العمل والواقع أقوى وأكبر من لغة الفم واللسان . ومن ثم يصمهم القرآن بالكفر والظلم والفسق ، أخذا من رفضهم لألوهية اللّه - حين يرفضون حاكميته المطلقة ؛ وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به اللّه .
وعلى هذا المعنى يتكئ سياق السورة ونصوصها الواضحة الصريحة كذلك .
شأن آخر يتناوله سياق السورة ؛ غير بناء التصور الاعتقادي الصحيح ، وبيان الانحرافات التي تتلبس به عند أهل الكتاب وأهل الجاهلية ؛ وغير بيان معنى « الدين » وأنه الاعتقاد الصحيح والطاعة والتلقي من اللّه وحده في التحريم والتحليل ، والحكم بما أنزل اللّه وحده دون تعديل أو تحريف أو تبديل .
ذلك هو شأن هذه الأمة المسلمة ؛ دورها الحقيقي في هذه الأرض ؛ وموقفها تجاه أعدائها ؛ وكشف هؤلاء الأعداء ، وكيدهم لهذه الأمة ولهذا الدين ؛ وبيان ما هم عليه من الضلالة والانحراف في عقيدتهم ؛ وما هم عليه كذلك من العداء للجماعة المسلمة وإجماع الكيد لها . . إنها المعركة التي يخوضها القرآن الكريم بالجماعة المسلمة ؛ والتي سبق الحديث عنها في السور الثلاث الطوال السابقة . .
إن كتاب هذه الأمة هو كتاب اللّه الأخير للبشر ؛ وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور ؛ ولكنه - بما أنه هو الكتاب الأخير - يهيمن على كل ما سبقه وإليه تنتهي شريعة اللّه التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين ؛ فما أقره من شرائع أهل الكتاب قبله فهو من شرع اللّه ؛ وما نسخه فقد فقد صفته هذه وإن كان واردا في كتاب من الكتب المنزلة :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »
. .
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ »
. .
ومن ثم فإن دور هذه الأمة هو أن تكون الوصية على البشرية ؛ تقيم العدل في الأرض ، غير متأثرة بمودة أو شنآن ، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة . . وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم ؛ فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم ؛ لاسترضاء أحد أو لتأليف قلب ؛ وغير ناظرة إلا إلى اللّه وتقواه :
« وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ؛ وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ، شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ؛ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا . اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
.
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ؛ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ »
. .