تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 825

مساهمون:

ص٨٢٥

( 5 ) سورة المائدة مدنيّة وآياتها عشرون ومائة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لينشئ به أمة ؛ وليقيم به دولة ؛ ولينظم به مجتمعا ؛ وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليحدد به روابط ذلك المجتمع ؛ فيما بينه ؛ وروابط تلك الدولة مع سائر الدول ؛ وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم . . وليربط ذلك كله برباط قوي واحد ، يجمع متفرقة ، ويؤلف أجزاءه ، ويشدها كلها إلى مصدر واحد ، وإلى سلطان واحد ، وإلى جهة واحدة . . وذلك هو الدين ، كما هو في حقيقته عند اللّه ؛ وكما عرفه المسلمون . أيام أن كانوا « مسلمين » ! ومن ثم نجد في هذه السورة - كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها - موضوعات شتى ؛ الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه : إنشاء أمة ، وإقامة دولة ، وتنظيم مجتمع ؛ على أساس من عقيدة خاصة ، وتصور معين ، وبناء جديد . . الأصل فيه إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ؛ وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك . . وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية ، وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم . . إلى جانب تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها وحقيقة دورها ، وطبيعة طريقها وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك ، وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين . . إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم وروح الجماعة المسلمة ؛ وتربطها بربها . إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ؛ والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها . . إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح ؛ أو ألوانا من الأعمال والمسالك . . كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة يمثل معنى « الدين » كما أراده اللّه وكما فهمه المسلمون . أيام أن كانوا مسلمين . على أن السياق القرآني - كما يبدو في هذه السورة وكما رأيناه في سورتي آل عمران والنساء من قبل لا يكتفي بهذا المعنى الضمني المستفاد من سوق هذه الموضوعات كلها في اطار سورة واحدة ؛ وسوقها كذلك في شتى سور القرآن المتفرقة التي تؤلف هذا الكتاب ؛ وتمثل المنهج الرباني الذي يتضمنه . . لا يكتفي السياق القرآني هنا بهذا المعنى الضمني ؛ إنما ينص عليه نصا ؛ ويؤكده تأكيدا ؛ ويتكئ عليه اتكاء شديدا وهو ينص على أن هذا كله هو « الدين » ؛ وأن الإقرار به كله هو « الإيمان » ؛ وأن الحكم به كله « هو الإسلام » . . وأن الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه هم الكافرون . الظالمون . الفاسقون . . وأنهم - إذن - يبتغون حكم الجاهلية ولا يبتغي حكم الجاهلية المؤمنون المسلمون .