تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 763

مساهمون:

ص٧٦٣
« مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً »
. . فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية ؛ ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءا . مهما صلحت ، ومهما عملت من حسنات . كانوا يعرفون النفس البشرية - كما هي في حقيقتها - وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم . . لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها ؛ ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها ؛ ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف أحيانا ، ولم ينكروا أو يغطوا هذا الضعف الذي يجدونه . ومن ثم ارتجفت نفوسهم ، وهم يواجهون بأن كل سوء يعملونه يجزون به . ارتجفت نفوسهم كالذي يواجه العاقبة فعلا ويلامسها ، وهذه كانت ميزتهم . أن يحسوا الآخرة على هذا النحو ، ويعيشوا فيها فعلا بمشاعرهم كأنهم فيها . لا كأنها آتية لا ريب فيها فحسب ! ومن ثم كانت رجفتهم المزلزلة لهذا الوعيد الأكيد ! قال الإمام أحمد : حدثنا عبد اللّه بن نمير ، حدثنا إسماعيل ، عن أبي بكر بن أبي زهير ، قال : « أخبرت أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - قال : « يا رسول اللّه ، كيف الفلاح بعد هذه الآية ؟
« لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ »
. . فكل سوء عملناه جزينا به . . فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « غفر اللّه لك يا أبا بكر . ألست تمرض ؟ ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللأواء ؟ » قال بلى ! قال : « فهو مما تجزون به » . . ورواه الحاكم عن طريق سفيان الثوري عن إسماعيل . وروى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - إلى ابن عمر ، يحدث عن أبي بكر الصديق . قال : كنت عند النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فنزلت هذه الآية :
« مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً »
فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا أبا بكر ، ألا أقرئك آية نزلت علي ؟ » قال : قلت يا رسول اللّه فأقرأنيها . . فلا أعلم أني قد وجدت انفصاما في ظهري ، حتى تمطيت لها ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما لك يا أبا بكر ؟ » فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! وأينا لم يعمل السوء ، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . « أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا ، حتى تلقوا اللّه ليس لكم ذنوب . وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة » . ( وكذا رواه الترمذي ) . وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن عائشة قالت : قلت يا رسول اللّه إني لأعلم أشد آية في القرآن . فقال : « ما هي يا عائشة ؟ » قلت : « من يعمل سوءا يجز به » فقال . « ما يصيب العبد المؤمن ، حتى النكبة ينكبها » . ( ورواه ابن جرير ) . وروى مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - بإسناده - عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : لما نزلت :
« مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ »
شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة . حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها » . . على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء . ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية ، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى . ولقد هزت هذه الآية كيانهم ، ورجفت لها نفوسهم ، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جدا . ويعرفون صدق وعد اللّه حقا . ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا . وفي الختام يجيء التعقيب على قضية العمل والجزاء ، وقضية الشرك قبلها والإيمان ، برد كل ما في السماوات