تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 766

مساهمون:

ص٧٦٦
من الجاهلية ، وإشفاق من كل ما كان فيها من تقاليد وعادات وأوضاع وأحكام . مع شدة إحساسهم بقيمة هذا التغيير الكامل الذي أنشأه الإسلام في حياتهم . أو بتعبير أدق بقيمة هذا الميلاد الجديد الذي ولدوه على يدي الإسلام . وهنا نجد جزاء تطلعهم للّه ، وجزاء حرارتهم ، وصدق عزيمتهم على الاتباع . . نجد جزاء هذا كله عناية من اللّه ورعاية . . بأنه سبحانه - بذاته العلية - يتولى إفتاءهم فيما يستفتون فيه :
« وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ . قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ . . . »
. . فهم كانوا يستفتون الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - واللّه - سبحانه - يتفضل فيقول للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - قل : إن اللّه يفتيكم فيهن وفي بقية الشؤون التي جاء ذكرها في الآية . وهي لفتة لها قيمتها التي لا تقدر ، في عطف اللّه سبحانه ، وتكريمه للجماعة المسلمة ؛ وهو يخاطبها بذاته ؛ ويرعاها بعينه ؛ ويفتيها فيما تستفتي ، وفيما تحتاج إليه حياتها الجديدة . وقد تناولت الفتوى هنا تصوير الواقع المترسب في المجتمع المسلم من الجاهلية التي التقطه المنهج الرباني منها . كما تناولت التوجيه المطلوب ، لرفع حياة المجتمع المسلم وتطهيرها من الرواسب :
« قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ؛ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ . وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ . وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ . . »
. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه . فإذا فعل ذلك فلم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً . وإن كانت جميلة وهويها تزوجها ، وأكل مالها . وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت . فإذا ماتت ورثها . فحرم اللّه ذلك ونهى عنه . . وقال في قوله :
« وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ »
كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات . وذلك قوله :
« لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ »
. . فنهى اللّه عن ذلك ؛ وبين لكل ذي سهم سهمه فقال : للذكر مثل حظ الأنثيين ، صغيرا أو كبيرا . . وقال سعيد بن جبير في قوله :
« وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ »
. . كما إذا كانت ذات جمال وقال نكحتها واستأثرت بها ، كذلك وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - : ويستفتونك في النساء . قل : اللّه يفتيكم فيهن . - إلى قوله :
« وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ »
قالت عائشة : هو الرجل تكون عنده اليتيمة ، هو وليها ووارثها ، فأشركته في ماله ، حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها « 1 » ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته ، فيعضلها فنزلت الآية ( أخرجه البخاري ومسلم ) . وقال ابن أبي حاتم : قرأت مع محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير قالت عائشة : « ثم إن الناس استفتوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد هذه الآية فيهن . فأنزل اللّه :
« وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ : اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ »
. . . الآية . . . قالت . والذي ذكر اللّه أنه يتلى في الكتاب : الآية الأولى التي قال اللّه :
« وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ . . . »
. وبهذا الإسناد عن عائشة قالت : « وقول اللّه عزّ وجل :
هامش
( 1 ) أي يرغب عن نكاحها ولا يريد أن يتزوجها لدمامتها . .
في ظلال القرآن — صفحة 766 | سيد قطب