تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 761

مساهمون:

ص٧٦١
وشعائر سخيفة ، من نسج الأساطير . كتمزيق آذان بعض الأنعام ، ليصبح ركوبها بعد ذلك حراما ، أو أكلها حراما - دون أن يحرمها اللّه - ومن تغيير خلق اللّه وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان ، كخصاء الرقيق ، ووشم الجلود . . وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام . وشعور الإنسان بأن الشيطان - عدوه القديم - هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية ، يثير في نفسه - على الأقل - الحذر من الفخ الذي نصبه العدو . وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان . ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض ؛ والوقوف تحت راية اللّه وحزبه ، في مواجهة الشيطان وحزبه : وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها . لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده . والمؤمن لا يغفل عنها ، ولا ينسحب منها . وهو يعلم أنه إما أن يكون وليا للّه ، وإما أن يكون وليا للشيطان ؛ وليس هنالك وسط . . والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات ؛ ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة . والمسلم يكافحه في ذات نفسه ، كما يكافحه في أتباعه . . معركة واحدة متصلة طوال الحياة . ومن يجعل اللّه مولاه فهو ناج غانم . ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك :
« وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً »
. . ويصور السياق القرآني فعل الشيطان مع أوليائه ، في مثل حالة الاستهواء .
« يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً »
. إنها حالة استهواء معينة هي التي تنحرف بالفطرة البشرية عن الإيمان والتوحيد ، إلى الكفر والشرك . ولولا هذا الاستهواء لمضت الفطرة في طريقها ، ولكان الإيمان هو هادي الفطرة وحاديها . وإنها حالة استهواء معينة هي التي يزين فيها الشيطان للإنسان سوء عمله ، فيراه حسنا ! ويعده الكسب والسعادة في طريق المعصية ، فيعدو معه في الطريق ! ويمنيه النجاة من عاقبة ما يعمل فيطمئن ويمضي في طريقه إلى المهلكة !
« وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً »
. . وحين يرتسم المشهد على هذا النحو ، والعدو القديم يفتل الحبال ، ويضع الفخ ، ويستدرج الفريسة ، لا تبقى إلا الجبلات الموكوسة المطموسة هي التي تظل سادرة لا تستيقظ ، ولا تتلفت ولا تحاول أن تعرف إلى أي طريق تساق ، وإلى أية هوة تستهوى ! وبينما هذه اللمسة الموقظة تفعل فعلها في النفوس ، وتصور حقيقة المعركة ، وحقيقة الموقف ، يجيء التعقيب ببيان العاقبة في نهاية المطاف : عاقبة من يستهويهم الشيطان ، ويصدق عليهم ظنه ، وينفذ فيهم ما صرح به من نيته الشريرة . . وعاقبة من يفلتون من حبالته ، لأنهم آمنوا باللّه حقاً . والمؤمنون باللّه حقا في نجوة من هذا الشيطان لأنه - لعنة اللّه عليه - وهو يستأذن في إغواء الضالين ، لم يؤذن له في المساس بعباد اللّه المخلصين . فهو إزاءهم ضعيف ضعيف ؛ كلما اشتدت قبضتهم على حبل اللّه المتين :
« وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً . أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ؟ »
. . فهي جهنم ولا محيص عنها لأولياء الشيطان . . وهي جنات الخلد لا خروج منها لأولياء اللّه . . وعد اللّه :
في ظلال القرآن — صفحة 761 | سيد قطب