هذا الدرس تكملة لما بدأت به السورة من علاج رواسب المجتمع الجاهلي ، فيما يختص بالمرأة والأسرة ؛ وفيما يختص بمعاملة الضعاف في المجتمع كاليتامى والأطفال . وتنقية المجتمع المسلم من هذه الرواسب ؛ وإقامة البيت فيه على أساس من كرامة شطري النفس الواحدة ؛ ورعاية مصالحهما معاً ، وتقوية روابط الأسرة وإصلاح ما يشجر في جوها من خلاف ، قبل أن يستفحل ، فيؤدي إلى تقطيع هذه الروابط ، وتحطيم البيوت على من فيها ، وبخاصة على الذرية الضعيفة الناشئة في المحاضن . . وإقامة المجتمع كذلك على أساس من رعاية الضعاف فيه ؛ كيلا يكون الأمر للأغلب ؛ وتكون شريعة الغاب هي التي تتحكم ! وهذا الدرس يعالج بعض هذه الشؤون ، ويربطها بنظام الكون كله . . مما يشعر معه المخاطب بهذه الآيات ، أن أمر النساء والبيوت والأسرة والضعاف في المجتمع ، هو أمر خطير كبير . . وهو في حقيقته أمر خطير كبير . .
وقد تحدثنا في ثنايا هذا الجزء ، وفي مقدمات السورة في الجزء الرابع ، بما فيه الكفاية عن نظرة الإسلام إلى الأسرة ؛ وعن الجهد المبذول في هذا المنهج لتخليص المجتمع المسلم من رواسب الجاهلية ، ومن رفع مستواه النفسي والاجتماعي والخلقي ، بما يكفل تفوقه على المجتمعات كلها من حوله ، وعلى كل مجتمع آخر لا يدين بهذا الدين ، ولا يتربى بهذا المنهج ، ولا يخضع لنظامه الفريد .
والآن نواجه نصوص هذا الدرس بالتفصيل :
« وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ . قُلِ : اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ ؛ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً »
. .
لقد أثارت الآيات التي نزلت في أوائل السورة عن النساء أسئلة واستفتاءات في بعض شأنهن . . وظاهرة سؤال المسلمين واستفتائهم في بعض الأحكام ، ظاهرة لها دلالتها في المجتمع المسلم الناشئ ؛ وفي رغبة المسلمين في معرفة أحكام دينهم في شؤون حياتهم . فقد كانت الهزة التي أحدثتها النقلة من الجاهلية إلى الإسلام في نفوسهم هزة عميقة ، بحيث أصبحوا يشكون ويشفقون من كل أمر كانوا يأتونه في الجاهلية ، مخافة أن يكون الإسلام قد نسخه ، أو عدله . ويتطلبون أن يعرفوا حكم الإسلام في كل ما يعرض لهم في حياتهم اليومية من الشؤون . وهذه اليقظة وهذه الرغبة في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام ، هي العنصر البارز في هذه الفترة - على الرغم من بقاء بعض رواسب الجاهلية في حياتهم - فالمهم هو رغبتهم الحقيقية القوية في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام ؛ والاستفسار عن بعض الأحكام بهذه الروح . لا لمجرد الاستفتاء ولا لمجرد العلم والمعرفة والثقافة ! كمعظم ما يوجه إلى المفتين في هذه الأيام من استفتاءات ! لقد كانت بالقوم حاجة إلى معرفة أحكام دينهم ، لأنها هي التي تكوّن نظام حياتهم الجديدة . وكانت بهم حرارة لهذه المعرفة . لأن الغرض منها هو إيجاد التطابق بين واقع حياتهم وأحكام دينهم . وكان بهم انخلاع