تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 760

مساهمون:

ص٧٦٠
الألوهية ؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص . كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم
« اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ »
ولم يكونوا عبدوهم مع اللّه . ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون اللّه . فحرموا عليهم وأحلوا لهم . فاتبعوهم في هذا . ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية ! فحق عليهم وصف الشرك . وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً »
. فيقيموا له وحده الشعائر ، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر . ولا غفران لذنب الشرك - متى مات صاحبه عليه - بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه . . عندما يشاء اللّه . . والسبب في تعظيم جريمة الشرك ، وخروجها من دائرة المغفرة ، أن من يشرك باللّه يخرج عن حدود الخير والصلاح تماما ؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبدا :
« وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً »
. . ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه ؛ ولو قبل الموت بساعة . . فأما وقد غرغر - وهو على الشرك - فقد انتهى أمره وحق عليه القول :
« وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ . وَساءَتْ مَصِيراً ! »
. * * * ثم يصف بعض أوهام الجاهلية العربية في شركها . وأساطيرها حول اتخاذ اللّه بنات - هن الملائكة - وحول عبادتهم للشيطان - وقد عبدوه كما عبدوا الملائكة وتماثيلها الأصنام - كما يصف بعض شعائرهم في تقطيع أو تشقيق آذان الأنعام المنذورة للآلهة ! وفي تغيير هم خلق اللّه . والشرك باللّه . وهو مخالف للفطرة التي فطر اللّه الناس عليها :
« إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ؛ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . . وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً »
. لقد كان العرب - في جاهليتهم - يزعمون أن الملائكة بنات اللّه . ثم يتخذون لهذه الملائكة تماثيل يسمونها أسماء الإناث :
« اللَّاتَ . وَالْعُزَّى . وَمَناةَ »
وأمثالها ثم يعبدون هذه الأصنام - بوصفها تماثيل لبنات اللّه - يتقربون بها إلى اللّه زلفى . . كان هذا على الأقل في مبدأ الأمر . . ثم ينسون أصل الأسطورة ، ويعبدون الأصنام ذاتها ، بل يعبدون جنس الحجر ، كما بينا ذلك في الجزء الرابع . كذلك كان بعضهم يعبد الشيطان نصا . . قال الكلبي : كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن . . على أن النص هنا أوسع مدلولا ، فهم في شركهم كله إنما يدعون الشيطان ، ويستمدون منه : هذا الشيطان صاحب القصة مع أبيهم آدم ؛ الذي لعنه اللّه ، بسبب معصيته وعدائه للبشر . والذي بلغ من حقده بعد طرده ولعنته ، أن يأخذ من اللّه - سبحانه - إذنا بأن يغوي من البشر كل من لا يلجأ إلى حمى اللّه : « إن يدعون من دونه إلا إناثا . وإن يدعون إلا شيطانا مريدا . لعنه اللّه . وقال : لأتخذن من عبادك نصيبا إنهم يدعون الشيطان - عدوهم القديم - ويستوحونه ويستمدون منه هذا الضلال . ذلك الشيطان الذي لعنه اللّه . والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم ، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية ، من لذة كاذبة ، وسعادة موهومة ، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف ! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة ،