رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يؤدي ديته . فقال حذيفة : قد تصدقت بديته على المسلمين . فزاد ذلك حذيفة خيرا عند رسول اللّه .
وقال وحشي غلام جبير بن مطعم يصف مصرع حمزة سيد الشهداء في هذه الغزوة : قال لي جبير : إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق . قال : فخرجت مع الناس . وكنت رجلا حبشيا ، أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئا . فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة وأتبصره ، حتى رأيته كأنه الجمل الأورق ، يهد الناس بسيفه هدا ، ما يقوم له شيء . فو اللّه إني لأتهيأ له أريده ، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني .
إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى ، فلما رآه حمزة ضربه ضربة كأنما اختطف رأسه ، فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته ( أحشائه ) حتى خرجت من بين رجليه . وذهب لينوء نحوي فغلب . وتركته وإياها حتى مات . ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى المعسكر ، فقعدت فيه . إذ لم تكن لي بغيره حاجة . إنما قتلت لأعتق . .
وقد جاءت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان ، فبقرت بطن حمزة ، وأخرجت كبده ، ولاكتها فلم تقدر عليها . فألقتها . .
ولما وقف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد المعركة على جثمان حمزة - رضي اللّه عنه - تأثر تأثرا شديدا . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لن أصاب بمثلك أبدا . وما وقفت قط موقفا أغيظ إلي من هذا » . .
ثم قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « أكلت شيئا ؟ » قالوا : لا . قال : « ما كان اللّه ليدخل شيئا من حمزة في النار » . .
وقد أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يدفن شهداء أحد في مصارعهم ، ولا ينقلوا إلى مقابر المدينة . وكان بعض الصحابة قد نقلوا قتلاهم . فنادى منادي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - برد القتلى إلى مصارعهم فردوا . ووقف - صلوات اللّه وسلامه عليه - يدفن الرجلين والثلاثة في اللحد الواحد . وكان يسأل : أيهم أكثر أخذا في القرآن ؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد . ودفن عبد اللّه بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة . فقال : « ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد » .
* * * هذه بعض اللقطات من المعركة التي تجاور فيها النصر والهزيمة ، لا تفرق بينهما إلا لحظة من الزمان ، وإلا مخالفة عن الأمر ، وإلا حركة من الهوى ، وإلا لفتة من الشهوة ! والتي تجاورت فيها القيم العالية والسفوح الهابطة ! والنماذج الفريدة في تاريخ الإيمان والبطولة ، وفي تاريخ النفاق والهزيمة ! وهي مجموعة تكشف عن حالة من عدم التناسق في الصف حينذاك ، كما تكشف عن حالة من الغبش في تصورات بعض المسلمين . . وهذه وتلك أنشأت - وفق سنة اللّه وقدره - هذه النتائج التي ذاقها المسلمون ؛ وهذه التضحيات الجسام ، التي تتراءى على قمتها تلك التي أصابت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والتي لا شك أن الصحابة حين ذاك كانوا يحسونها بعمق وعنف ، ويرونها أشد ما نالهم من الآلام . وقد دفعوا الثمن غاليا ليتلقوا الدرس عاليا ، وليمحص اللّه القلوب ويميز الصفوف ، وليعد الجماعة المسلمة للمهمة العظمى التي ناطها بها : مهمة القيادة الراشدة للبشرية ، وإقرار منهج اللّه في الأرض في صورته المثالية الواقعية . .
فلننظر إذن كيف عالج القرآن الكريم الموقف بطريقة القرآن .
في ظلال القرآن — صفحة 466
مساهمون: سيد قطب
ص٤٦٦