الحكمة ، وتمنحه ذلك الخير الكثير .
وهناك حقيقة أخرى نلم بها قبل مغادرة هذه الوقفة عند قوله تعالى :
« الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ . . . »
. .
إن أمام الإنسان طريقين اثنين لا ثالث لهما : طريق اللّه . وطريق الشيطان . أن يستمع إلى وعد اللّه أو أن يستمع إلى وعد الشيطان . ومن لا يسير في طريق اللّه ويسمع وعده فهو سائر في طريق الشيطان ومتبع وعده . .
ليس هنالك إلا منهج واحد هو الحق . . المنهج الذي شرعه اللّه . . وما عداه فهو للشيطان ومن الشيطان .
هذه الحقيقة يقررها القرآن الكريم ويكررها ويؤكدها بكل مؤكد . كيلا تبقى حجة لمن يريد أن ينحرف عن منهج اللّه ثم يدّعي الهدى والصواب في أي باب . ليست هنالك شبهة ولا غشاوة . . اللّه . أو الشيطان .
منهج اللّه أو منهج الشيطان . طريق اللّه أو طريق الشيطان . . ولمن شاء أن يختار . .
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ »
. . لا شبهة ولا غبش ولا غشاوة . . وإنما هو الهدى أو الضلال . وهو الحق واحد لا يتعدد . . فما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! 270 - بعد ذلك نعود مع السياق إلى الصدقة . . إن اللّه يعلم كل ما ينفقه المنفق . . صدقة كان أم نذرا . وسرا كان أم جهرا . ومن مقتضى علمه أنه يجزي على الفعل وما وراءه من النية :
« وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ . وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ؛ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. .
والنفقة تشمل سائر ما يخرجه صاحب المال من ماله : زكاة أو صدقة أو تطوعا بالمال في جهاد . . والنذر نوع من أنواع النفقة يوجبه المنفق على نفسه مقدّرا بقدر معلوم . والنذر لا يكون لغير اللّه ولوجهه وفي سبيله .
فالنذر لفلان من عباده نوع من الشرك ، كالذبائح التي كان يقدمها المشركون لآلهتهم وأوثانهم في شتى عصور الجاهلية .
« وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ »
. .
وشعور المؤمن بأن عين اللّه - سبحانه - على نيته وضميره ، وعلى حركته وعمله . . يثير في حسه مشاعر حية متنوعة ؛ شعور التقوى والتحرج أن يهجس في خاطره هاجس رياء أو تظاهر ، وهاجس شح أو بخل ، وهاجس خوف من الفقر أو الغبن . وشعور الاطمئنان على الجزاء والثقة بالوفاء . وشعور الرضى والراحة بما وفى للّه وقام بشكر نعمته عليه بهذا الإنفاق مما أعطاه . .
فأما الذي لا يقوم بحق النعمة ؛ والذي لا يؤدي الحق للّه ولعباده ؛ والذي يمنع الخير بعد ما أعطاه اللّه إياه . . فهو ظالم . ظالم للعهد ، وظالم للناس ، وظالم لنفسه :
« وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ »
. .
فالوفاء عدل وقسط . والمنع ظلم وجور . والناس في هذا الباب صنفان : مقسط قائم بعهد اللّه معه إن أعطاه النعمة وفي وشكر . وظالم ناكث لعهد اللّه ، لم يعط الحق ولم يشكر . .
« وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ »
. .
271 - وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعا أولى وأحب إلى اللّه ؛ وأجدر أن تبرأ من شوائب التظاهر والرياء . فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة ، وفشوّ هذا المعنى وظهوره خير . . ومن ثم تقول الآية :