« إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ . وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »
. . فتشمل هاتين الحالتين ، وتعطي كل حالة ما يناسبها من التصرف ؛ وتحمد هذه في موضعها وتلك في موضعها ؛ وتعد المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات :
« وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ »
. .
وتستجيش في قلوبهم التقوى والتحرج من جانب ، والطمأنينة والراحة من جانب آخر ، وتصلها باللّه في النية والعمل في جميع الأحوال :
« وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. .
272 - ولا بد أن نلحظ طول التوجيه إلى الإنفاق ؛ وتنوع أساليب الترغيب والترهيب بصدده ؛ لندرك أمرين :
الأول : بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها من الشح بالمال ، وحاجتها إلى التحريك المستمر والاستجاشة الدائبة لتستعلي على هذا الحرص وتنطلق من هذا الشح ، وترتفع إلى المستوي الكريم الذي يريده اللّه للناس . والثاني : ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة في البيئة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسخاء والكرم . . ولكنه كان سخاء وكرما يقصد به الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام ! ولم يكن أمرا ميسورا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدقوا دون انتظار لهذا كله ، متجردين من هذا كله ، متجهين للّه وحده دون الناس . وكان الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة ، والجهد الكثير ، والهتاف المستمر بالتسامي والتجرد والخلاص ! . . وقد كان . .
ومن ثم لفتة من خطاب الذين آمنوا إلى خطاب الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لفتة لتقرير جملة حقائق كبيرة ، ذات أثر عميق في إقامة التصور الإسلامي على قواعده ، وفي استقامة السلوك الإسلامي على طريقه :
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ . وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ »
. .
روى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية :
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
. . إلى آخرها » . .
فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين . .
إن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق اللّه - ولو كان هو رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إنه من أمر اللّه وحده . فهذه القلوب من صنعه ؛ ولا يحكمها غيره ، ولا يصرفها سواه ، ولا سلطان لأحد عليها إلا اللّه . وما على الرسول إلا البلاغ . فأما الهدى فهو بيد اللّه ، يعطيه من يشاء ، ممن يعلم - سبحانه - أنه يستحق الهدى ، ويسعى إليه . وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لا بد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى اللّه وحده ، وليتلقى دلائل الهدى من اللّه وحده . . ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين ، فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم ؛ ويعطف عليهم ، ويرتقب إذن اللّه لقلوبهم في الهدي ، وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد .
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
. .
فلتفسح لهم صدرك ، ولتفض عليهم سماحتك ، ولتبذل لهم الخير والعون ما احتاجوا إليه منك . وأمرهم