الدورة الفلكية للقمر وكيف تتم وهي داخلة في مدلول السؤال : ما بال القمر يبدو هلالا . . إلخ . كذلك لم يحدثهم عن وظيفة القمر في المجموعة الشمسية أو في توازن حركة الأجرام السماوية . وهي داخلة في مضمون السؤال : لما ذا خلق اللّه الأهلة ؟ فما هو الإيحاء الذي ينشئه هذا الاتجاه في الإجابة ؟
لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص ، ونظام خاص ، ومجتمع خاص . . كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض ، ذات دور خاص في قيادة البشرية ، لتنشئ نموذجا معينا من المجتمعات غير مسبوق ؛ ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة ؛ ولتقر قواعد هذه الحياة في الأرض ؛ وتقود إليها الناس .
والإجابة « العلمية » عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علما نظريا في الفلك ؛ إذا هم استطاعوا ، بما كان لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين ، أن يستوعبوا هذا العلم ، ولقد كان ذلك مشكوكا فيه كل الشك ، لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة ، كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات .
من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية ، ولا تفيدها كثيرا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها . وليس مجالها على أية حال هو القرآن . إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية . ولم يجئ ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي . . كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم ، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم ! إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله . إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية . وإن وظيفته أن ينشئ تصورا عاما للوجود وارتباطه بخالقه ، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه ؛ وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاما للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته . . ومن بينها طاقته العقلية ، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة ، وإطلاق المجال لها لتعمل - بالبحث العلمي - في الحدود المتاحة للإنسان - وبالتجريب والتطبيق ، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ، ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال .
إن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته : تصوره واعتقاده ، ومشاعره ومفهوماته ، وسلوكه وأعماله ، وروابطه وعلاقاته . . أما العلوم المادية ، والإبداع في عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه ، فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته . بما أنها أساس خلافته في الأرض ، وبما أنه مهيأ لها بطبيعة تكوينه . .
والقرآن يصحح له فطرته كيلا تنحرف ولا تفسد ، ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له ؛ ويزوده بالتصور العام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه ، وتناسق تكوينه ، وطبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه - وهو أي الإنسان أحد أجزائه - ثم يدع له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته . . ولا يعطيه تفصيلات لأن معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتي .
وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن ، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه ، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها . . كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه ! إن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها . . لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها . . والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان . والقرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه . بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره . كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذي
في ظلال القرآن — صفحة 181
مساهمون: سيد قطب
ص١٨١