تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه . وبعد أن يوجد الإنسان السليم التصور والتفكير والشعور ، ويوجد المجتمع الذي يسمح له بالنشاط ، يتركه القرآن يبحث ويجرب ، ويخطئ ويصيب ، في مجال العلم والبحث والتجريب . وقد ضمن له موازين التصور والتدبر والتفكير الصحيح . كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحيانا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه ، وطبيعة التناسق بين أجزائه . . لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن ، بفروض العقل البشري ونظرياته ، ولا حتى بما يسميه « حقائق علمية » مما ينتهي إليه بطريق التجربة القاطعة في نظره . إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة . أما ما يصل إليه البحث الإنساني - أيا كانت الأدوات المتاحة له - فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة ؛ وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها . . فمن الخطأ المنهجي - بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته - أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية . وهي كل ما يصل إليه العلم البشري ! هذا بالقياس إلى « الحقائق العلمية » . . والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى « علمية » . ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات الفلكية ؛ وكل النظريات الخاصة بنشأة الإنسان وأطواره ؛ وكل النظريات الخاصة بنفس الإنسان وسلوكه . . وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها . . فهذه كلها ليست « حقائق علمية » حتى بالقياس الإنساني . وإنما هي نظريات وفروض . كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية . إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرا أكبر من الظواهر ، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرا أدق ! ومن ثم فهي قابلة دائما للتغيير والتعديل والنقص والإضافة ؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسا على عقب ، بظهور أداة كشف جديدة ، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة ! وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة - أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا - تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي . كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم . . الأولى : هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع . ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم . أو الاستدلال له من العلم . على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائي في حقائقه . والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق ، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة . والثانية : سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته . وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي . حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ؛ بل يصادقه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته . نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق ، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة ! والثالثة : هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف - لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر . وكل يوم يجد فيها جديد .
في ظلال القرآن — صفحة 182 | سيد قطب