تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وهكذا نجد هذه الأمور المتعددة مرتبطة ارتباطا وثيقا ، ناشئا من طبيعة هذا الدين ، الذي لا تنفصل فيه الشعائر التعبدية ، عن المشاعر القلبية ، عن التشريعات التنظيمية ، ولا يستقيم إلا بأن يشمل أمور الدنيا وأمور الآخرة ، وشؤون القلب وشؤون العلاقات الاجتماعية والدولية ، وإلا أن يشرف على الحياة كلها ، فيصرفها وفق تصور واحد متكامل ، ومنهج واحد متناسق ، ونظام واحد شامل ، وأداة واحدة هي هذا النظام الخاص الذي يقوم على شريعة اللّه في كافة الشؤون . وهناك ظاهرة في هذه السورة تطالعنا منذ هذا القطاع . تطالعنا في صورة مواقف يسأل فيها المسلمون نبيهم - صلى اللّه عليه وسلم - عن شؤون شتى ، هي الشؤون التي تصادفهم في حياتهم الجديدة ، ويريدون أن يعرفوا كيف يسلكون فيها وفق تصورهم الجديد ، ووفق نظامهم الجديد . وعن الظواهر التي تلفت حسهم الذي استيقظ تجاه الكون الذي يعيشون فيه . . فهم يسألون عن الأهلة . . ما شأنها ؟ ما بال القمر يبدو هلالا ، ثم يكبر حتى يستدير بدرا ، ثم يأخذ في التناقص حتى يرتد هلالا ، ثم يختفي ليظهر هلالا من جديد ؟ ويسألون ما ذا ينفقون ؟ من أي نوع من مالهم ينفقون ؟ وأي قدر وأية نسبة مما يملكون ؟ ويسألون عن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام . هل يجوز ؟ ويسألون عن الخمر والميسر ما حكمهما ؟ وقد كانوا أهل خمر في الجاهلية وأهل ميسر ! ويسألون عن المحيض ؟ وعلاقتهم بنسائهم في فترته . ثم يسألون عن أشياء في أخص علاقاتهم بأزواجهم ، وأحيانا تسأل فيها الزوجات أنفسهن . وقد وردت أسئلة أخرى في موضوعات متنوعة في سور أخرى من القرآن أيضا . . وهذه الأسئلة ذات دلالات شتى : فهي أولا دليل على تفتح وحيوية ونمو في صور الحياة وعلاقاتها ، وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي جعل يأخذ شخصيته الخاصة ، ويتعلق به الأفراد تعلقا وثيقا ؛ فلم يعودوا أولئك الأفراد المبعثرين ، ولا تلك القبائل المتناثرة . إنما عادوا أمة لها كيان ، ولها نظام ، ولها وضع يشد الجميع إليه ؛ ويهم كل فرد فيه أن يعرف خطوطه وارتباطاته . . وهي حالة جديدة أنشأها الإسلام بتصوره ونظامه وقيادته على السواء . . حالة نمو اجتماعي وفكري وشعوري وإنساني بوجه عام . وهي ثانيا دليل على يقظة الحس الديني ، وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس ، مما يجعل كل أحد يتحرج أن يأتي أمرا في حياته اليومية قبل أن يستوثق من رأي العقيدة الجديدة فيه ، فلم تعد لهم مقررات سابقة في الحياة يرجعون إليها ، وقد انخلعت قلوبهم من كل مألوفاتهم في الجاهلية ، وفقدوا ثقتهم بها ؛ ووقفوا ينتظرون التعليمات الجديدة في كل أمر من أمور الحياة . . وهذه الحالة الشعورية هي الحالة التي ينشئها الإيمان الحق . عندئذ تتجرد النفس من كل مقرراتها السابقة وكل مألوفاتها ، وتقف موقف الحذر من كل ما كانت تأتيه في جاهليتها ، وتقوم على قدم الاستعداد لتلقي كل توجيه من العقيدة الجديدة ، لتصوغ حياتها الجديدة على أساسها ، مبرأة من كل شائبة . فإذا تلقت من العقيدة الجديدة توجيها يقر بعض جزئيات من مألوفها القديم