تلقته جديدا مرتبطا بالتصور الجديد . إذ ليس من الحتم أن يبطل النظام الجديد كل جزئية في النظام القديم ؛ ولكن من المهم أن ترتبط هذه الجزئيات بأصل التصور الجديد ، فتصبح جزءا منه ، داخلا في كيانه ، متناسقا مع بقية أجزائه . . كما صنع الإسلام بشعائر الحج التي استبقاها . فقد أصبحت تنبثق من التصور الإسلامي ، وتقوم على قواعده ، وأنبتت علاقتها بالتصورات الجاهلية نهائيا .
والدلالة الثالثة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة ؛ وقيام اليهود في المدينة والمشركين في مكة بين الحين والحين بمحاولة التشكيك في قيمة النظم الإسلامية ، وانتهاز كل فرصة للقيام بحملة مضللة على بعض التصرفات والأحداث - كما وقع في سرية عبد اللّه بن جحش وما قيل من اشتباكها في قتال مع المشركين في الأشهر الحرم - مما كان يستدعي بروز بعض الاستفهامات والإجابة عليها ، بما يقطع الطريق على تلك المحاولات ؛ ويسكب الطمأنينة واليقين في قلوب المسلمين . . ومعنى هذه الدلالة أن القرآن كان دائما في المعركة . سواء تلك المعركة الناشئة في القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام ؛ والمعركة الناشئة في الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين يتربصون بها من كل جانب .
هذه المعركة كتلك ما تزال قائمة . فالنفس البشرية هي النفس البشرية ؛ وأعداء الأمة المسلمة هم أعداؤها . .
والقرآن حاضر . . ولا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة ، ليخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة . . وما لم يستيقن المسلمون من هذه الحقيقة فلا فلاح لهم ولا نجاح ! وأقل ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس . . أن تقبل على هذا القرآن بهذا الفهم وهذا الإدراك وهذا التصور .
أن تواجهه وهو يتحرك ويعمل وينشئ التصور الجديد ، ويقاوم تصورات الجاهلية ، ويدفع عن هذه الأمة ، يقيها العثرات . لا كما يواجهه الناس اليوم نغمات حلوة ترتل ، وكلاما جميلا يتلى ، وينتهي الأمر . . إنه لامر غير هذا نزّل اللّه القرآن . . لقد نزله لينشئ حياة كاملة ، ويحركها ، ويقودها إلى شاطئ الأمان بين الأشواك والعثرات ، ومشقات الطريق ؛ التي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات . واللّه المستعان . .
189 - والآن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس بالتفصيل :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ . قُلْ : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى . وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
. .
تقول بعض الروايات : إن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - سئل ذلك السؤال الذي أسلفناه عن الأهلة :
ظهورها ونموها وتناقصها . . ما بالها تصنع هذا ؟ وتقول بعض الروايات : إنهم قالوا : يا رسول اللّه لم خلقت الأهلة ؟ وقد يكون هذا السؤال في صيغته الأخيرة أقرب إلى طبيعة الجواب . فقال اللّه لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« قُلْ : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ »
. .
مواقيت للناس في حلهم وإحرامهم ، وفي صومهم وفطرهم ، وفي نكاحهم وطلاقهم وعدتهم ، وفي معاملاتهم وتجاراتهم وديونهم . . وفي أمور دينهم وأمور دنياهم على سواء .
وسواء كان هذا الجواب ردا على السؤال الأول أو على السؤال الثاني ، فهو في كلتا الحالتين اتجه إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري ؛ وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدثهم عن